لا يفسد للود قضية.. أثر قبول الآخر وأدب النقاش في المجتمع

في وقت يعلوه صوت الاختلاف المعزز بالسب والقذف والإهانات، تبرز الحاجة لإعلاء قيم الاختلاف والتحاور والتعايش وقبول الآخر في المجتمع لكي يعود قويًا وأكثر تماسكًا وبعيدًا عن عوامل الفرقة والسقوط، لكن هل تساءلت للحظة: أيكون التعصب للرأي مفيدًا لمجتمعي الذي يضم آخرين حولي لهم رؤى أخرى قد تكون أكثر صوابًا مما أعتقد؟!

في البداية عليك أن تعلم قيمة التنوع والاختلاف ولماذا يجب أن يكون هناك حوار وتعدد للآراء داخل البيت الواحد، الفصل، المدرسة، المجتمع، فالوطن على نطاق أشمل، وهذا الأمر ليس تعطيلًا أو عنادًا أو تقييدًا لك كما تتوهم، فإذا نظرت إلى الكون حولك لوجدت أن في تنوعه إثراءً لحياتك وفي كثرة أصناف الفواكه والطيور والخضروات واختلاف الليل والنهار وتعاقب الشمس والقمر أمور تضيف لك ولعقلك متعة عظيمة.

هنا يأتي التوجيه القرآني لك ولغيرك بأنك مع هذا التنوع بحاجة لأن تعرف لماذا هؤلاء حولي وماذا عليّ أن أفعل لأكون معهم على الصورة الصحيحة، فقال سبحانه وتعالى: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا”، فأنت كرجل لا يمكن أن تحيا دون امرأة وهي أيضا بحاجة إليك.

وبالحديث عن الآخر وقبوله رأيًا ومعتقدًا نجد أن كافة الشرائع السماوية كفلت للإنسان أن يعتنق ما يشاء ويؤمن بما يراه ويجتهد قدر المستطاع في البحث عن خالقه دون فرض لرأي عليه أو التعصب ضده، لذا كان الحوار والدعوة إلى الحكمة فيه سبيلًا لتحقيق الهدف وإلا فتركه في حال الجدل العقيم أفضل.

وهنا عليك أن تعلم بأن أخطر ما يواجه الحوار، هو عقل لا يؤمن بغيره، أو فكر يعتبر نفسه المقياس الوحيد للصواب، وكل ما عداه ضلال، فالتطرف، أيًّا كان شكله، دينيًا أو أيديولوجيًا أو غيره، هو التحدي الأكبر أمام الحوار؛ لأنه يُغلق الأذن عن الاستماع، والعقل عن الفهم، والقلب عن الرحمة.
ولذا، فإن أولى خطوات بناء الحوار هي القضاء على التطرف، وغرس ثقافة التعدد، والتأكيد أن الاختلاف لا يفسد للود قضية، بل يثري العقول، ويُوسِّع المدارك.

وتأتي أهمية قبول الآخر في المجتمع أنها سبيل لتعزيز السلام حيث يمنع تحول الاختلاف في الرأي إلى خلاف أو عداوة، وهي أيضا تحقق التكامل المجتمعي فيتيح الاستفادة من تعدد الأفكار لتطوير المجتمع، كما أنها تضمن حماية النسيج الاجتماعي فينشر المحبة ويدفع أسباب البغضاء بين الأفراد.

ومن آداب النقاش والحوار الهادف حسن الاستماع من خلال إعطاء المتحدث فرصة كاملة لعرض فكرته دون مقاطعة، والعمل على إرساء الاحترام المتبادل عبر انتقاء الألفاظ الطيبة والابتعاد عن التجريح أو التقليل من شأن الآخر، وأخيرًا الموضوعية من خلال الاحتكام إلى العقل والمنطق والبحث عن الحقيقة لا الانتصار للنفس.

أخيرًا عليك أن تؤمن بأن الاختلاف لا يفسد الود، ولا ينفي الآخر، وأننا خلقنا لنكون معًا دون أن يعتدي أيًا منا على الآخر أو يفرض عليه رأيه ودينه ويسلبه حقه في أن يبحث عن ذاته بين الآخرين فتقبل أخيك وصديقك ومن حولك كما هم على تنوعهم.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *