يعد الحوار بين الاباء والابناء من اهم الجسور التي تبني الثقة داخل البيت وتمنح الابناء شعورا بالامان والانتماء فالابن الذي يجد من يسمعه داخل اسرته يصبح اكثر قدرة على التعبير عن مشاعره واكثر استعدادا لطلب النصيحة عند الحاجة اما الابن الذي لا يجد مساحة للكلام فقد يلجأ الى الصمت او العناد او البحث عن بديل خارج البيت يسمعه ويفهمه.
الحوار الناجح لا يعني ان يتحدث الاب او الام طوال الوقت ولا يعني ان يتحول الكلام الى اوامر ونصائح متكررة بل يعني ان يشعر الابن انه طرف مهم في الحديث وان رأيه مسموع حتى لو كان غير ناضج او مختلفا عن رأي والديه فالحوار الحقيقي يبدأ من احترام عقل الابن ومشاعره ثم توجيهه بهدوء دون كسر ثقته بنفسه.
الاستماع قبل الكلام
اول خطوة لبناء حوار ناجح مع الابناء هي الاستماع الجيد فالابن لا يحتاج دائما الى حل سريع بقدر ما يحتاج الى شخص ينصت له بصدق كثير من الاباء يقاطعون ابناءهم قبل ان يكملوا كلامهم او يحولون كل موقف الى درس طويل وهذا يجعل الابن يشعر ان الكلام بلا فائدة.
عندما يتحدث الابن عن مشكلة في المدرسة او خلاف مع صديق او خوف من امر معين يجب ان يمنحه الوالدان فرصة كاملة للتعبير لا ينبغي الاستهزاء بكلامه او وصف مشاعره بأنها تافهة فالمشكلة التي تبدو صغيرة للكبار قد تكون كبيرة جدا في عين الطفل او المراهق.
اختيار الوقت المناسب
ليس كل وقت مناسبا للحوار فالحديث اثناء الغضب او التعب او الانشغال قد يجعل الحوار يتحول الى صدام لذلك يحتاج الوالدان الى اختيار وقت هادئ يكون فيه الابن مستعدا للكلام ويكون فيه الاب او الام قادرين على الانتباه دون عصبية.
يمكن ان يحدث الحوار اثناء المشي او تناول الطعام او قبل النوم او اثناء القيام بنشاط مشترك المهم ان يشعر الابن ان الحديث طبيعي وليس تحقيقا رسميا فالاسئلة الكثيرة والمتلاحقة قد تجعل الابن يغلق باب الكلام بينما السؤال الهادئ والمساحة المريحة قد تفتح قلبه تدريجيا.
الهدوء عند الاختلاف
من الطبيعي ان يختلف الابناء مع ابائهم خاصة مع التقدم في العمر وبداية تكوين الشخصية المستقلة وهنا يظهر الفرق بين الحوار الناجح والحوار الفاشل فاذا تعامل الوالدان مع كل اختلاف على انه قلة احترام فسيتحول البيت الى ساحة صراع اما اذا تم التعامل مع الاختلاف باعتباره فرصة للفهم والتوجيه فسيصبح الحوار وسيلة للتقارب.
الهدوء لا يعني الموافقة على كل شيء لكنه يعني ان نرفض الخطأ دون اهانة وان نوضح السبب دون صراخ وان نفرق بين الفعل والشخص فالابن قد يخطئ لكنه ليس شخصا سيئا وقد يختار اختيارا غير مناسب لكنه يحتاج الى توجيه لا الى تحطيم.
استخدام لغة قريبة من الابناء
الحوار الناجح يحتاج الى لغة يفهمها الابناء لا لغة مليئة بالاوامر والاتهامات فالعبارات مثل انت لا تفهم وانت دائما مخطئ وانت لا تسمع الكلام تجعل الابن في موقف دفاع وتدفعه الى العناد اما العبارات الهادئة مثل اريد ان افهم وجهة نظرك او دعنا نفكر معا او ما الذي جعلك تفعل ذلك فهي تفتح باب الحديث.
من المهم ايضا ان يستخدم الوالدان امثلة قريبة من حياة الابن بدلا من الكلام العام فالمراهق مثلا قد يحتاج الى حوار مختلف عن الطفل الصغير والابن الهادئ يختلف عن الابن العصبي لذلك لا توجد طريقة واحدة تصلح لكل الابناء بل يحتاج كل ابن الى اسلوب يناسب شخصيته ومرحلته العمرية.
بناء الثقة وعدم افشاء الاسرار
من اكثر الامور التي تضعف الحوار ان يتحدث الابن مع والديه ثم يجد كلامه اصبح موضوعا للسخرية او المقارنة امام الاخرين عندما يفتح الابن قلبه يجب ان يشعر بالامان وان يعرف ان اسراره لن تستخدم ضده.
الثقة تبنى مع الوقت ولا تأتي فجأة فكل مرة يستمع فيها الوالدان دون تهديد وكل مرة يعترفان فيها بخطئهما وكل مرة يحترمان فيها مشاعر الابن يزداد رصيده من الثقة داخل البيت وحينها يصبح الابن اكثر استعدادا للحديث عن مشكلاته قبل ان تكبر.
الموازنة بين الحرية والحدود
الحوار الناجح لا يعني ترك الابناء يفعلون ما يشاؤون بلا ضوابط كما لا يعني السيطرة الكاملة على حياتهم المطلوب هو التوازن بين الحرية والمسؤولية فالابن يحتاج الى مساحة للاختيار وتجربة الحياة لكنه يحتاج ايضا الى حدود واضحة تحميه وتعلمه احترام نفسه والاخرين.
عندما يضع الوالدان قاعدة معينة يجب ان يشرحا سببها قدر الامكان فالابن يتقبل القاعدة بشكل افضل عندما يفهم معناها اما الاوامر التي تأتي بلا تفسير فقد تبدو له مجرد تحكم لذلك من المهم ان تتحول القواعد داخل البيت الى اتفاقات مفهومة لا الى اوامر مفروضة فقط.
الاعتذار عند الخطأ
من الافكار المهمة في الحوار مع الابناء ان يعترف الوالدان بخطئهما عند الحاجة فالاعتذار لا يقلل من قيمة الاب او الام بل يعلم الابن الصدق والتواضع وتحمل المسؤولية عندما يرى الابن والده يعتذر عن عصبية زائدة او حكم متسرع يتعلم ان الخطأ لا يعني النهاية وان اصلاح العلاقة اهم من الانتصار في النقاش.
هذا السلوك يجعل البيت اكثر انسانية ويجعل الابن قادرا على الاعتذار هو ايضا عندما يخطئ فالتربية لا تتم بالكلام فقط بل بالقدوة اليومية التي يراها الابناء في تصرفات والديهم.
بناء حوار ناجح مع الابناء يحتاج الى صبر ووعي واستمرار فهو ليس موقفا عابرا بل اسلوب حياة داخل الاسرة يبدأ بالاستماع وينمو بالثقة ويقوى بالاحترام والهدوء كلما شعر الابن ان بيته هو المكان الاول الذي يستطيع ان يتكلم فيه دون خوف زادت قوة العلاقة بينه وبين والديه.
وفي النهاية لا يحتاج الابناء الى اباء مثاليين بقدر ما يحتاجون الى اباء قريبين منهم يسمعونهم ويفهمونهم ويرشدونهم بحب فالحوار الناجح هو الذي يجعل الابن يشعر انه محبوب حتى وقت الخطأ ومسموع حتى وقت الاختلاف ومقبول داخل اسرته قبل ان يبحث عن القبول في اي مكان اخر.