أصبح سوق العمل أكثر تطورا في كل المجالات مع التغيرات السريعة يشهدها العالم، وهو ما يتطلب مهارات شخصية وتقنية قوية، تساعد الفرد على تطوير ذاته وأن يجد له فرصة مناسبة تمكنه من تحقيق أهدافه وتطلعاته والنجاح في مساره المهني والعملي في الحياة وتأمين مستقبلته.
وفي ظل هذه التطورات والتغيرات المتسارعة، أصبحت الشركات والمؤسسات تبحث عن الموظفين الذين لديهم مزيجًا من المهارات التقنية والمهارات الشخصية القوية، لأن النجاح في بيئة العمل الحديثة لم يعد مرتبطًا بما تعرفه فقط، وإنما أيضًا بكيفية توظيف هذه المعرفة والتعامل مع الآخرين، فلم يعد الحصول على فرصة عمل مناسبة يعتمد فقط على الشهادة الجامعية أو سنوات الخبرة.
ولتوضيح أهمية المهارات التقنية والشخصية في سوق العمل الحديث، يمكن شرح ذلك من خلال مثال واضح، وهو أنه قد يوجد شخص يمتلك خبرة كبيرة في البرمجة، أو المحاسبة، أو التصميم، أو التسويق مثلا ويكون مميز في ذلك بدرجة عالية، لكنه في نفس الوقت يجد صعوبة في العمل ضمن فريق أو التواصل مع زملائه، فيتراجع أداؤه رغم كفاءته الفنية مما يقلل من فرصه في تحقيق النجاح.
على جانب آخر، قد يتمتع شخص بمهارات تواصل ممتازة مع الآخرين وقدرة على التكيف مع بيئة العمل، لكنه في نفس الوقت يفتقر إلى المعرفة التقنية اللازمة التي تمكنه من تنفيذ مهام عمله بالشكل المطلوب، لذلك، فإن التوازن بين النوعين من المهارات الشخصية والتقنية أصبح هو المفتاح الحقيقي للنجاح لأي فرد وفي مختلف المجالات.
ولكن ما هي المهارات التقنية؟
هي تلك المهارات التي يمكن تعلمها من خلال الدراسة أو التدريب، مثل استخدام البرامج المتخصصة، وتحليل البيانات، وإدارة المشروعات، وإتقان اللغات الأجنبية، والبرمجة، والتصميم، وغيرها من المهارات المرتبطة بطبيعة كل وظيفة.
وهذه المهارات تمنح صاحبها القدرة على أداء المهام المطلوبة بكفاءة عالية، كما أنها تحتاج إلى تطوير مستمر، لأن التكنولوجيا تتغير بوتيرة سريعة، وما كان مطلوبًا قبل خمس سنوات مثلا قد يصبح غير كافٍ اليوم لمواكبة سوق العمل والتغيرات التي يشهدها في كل وقت.
وما المهارات الشخصية؟
هي تلك المهارات التي تحدد طريقة تعامل الإنسان مع الآخرين ومع المواقف المختلفة، وتشمل التواصل الفعال، والعمل الجماعي، وإدارة الوقت، والقدرة على حل المشكلات، والمرونة، وتحمل المسؤولية، والقيادة، والقدرة على التكيف مع التغيرات، ورغم أن هذه المهارات قد تبدو بسيطة فهي من الأساسيات، فإنها غالبًا ما تكون العامل الذييميز بين موظفين يمتلكان المستوى الفني نفسه من مهارات تقنية.
وقد يعتقد البعض أن المهارات الشخصية صفات يولد بها الإنسان ولا يمكن تطويرها، لكن الواقع يثبت العكس،فالتواصل الجيد يمكن تعلمه بالممارسة، وإدارة الوقت تتحسن مع التخطيط والانضباط، والقدرة على التفاوض أو القيادة تزداد مع الخبرة والتدريب.
وكما يحرص الإنسان على تعلم برنامج جديد أو الحصول على شهادة مهنية، ينبغي أيضًا أن يخصص وقتًا لتطوير شخصيته ومهاراته وقدراته الذاتية في التعامل مع الآخرين، فهي التي تكمل تميزه في أي تخصص.
ويشهد سوق العمل اليوم تغيرًا مستمرًا نتيجة التطور التكنولوجي والاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي والأدوات الرقمية، ولكن هذا لا يعني أن المهارات البشرية فقدت قيمتها، بل على العكس، أصبحت أكثر أهمية، فالتكنولوجيا تستطيع تنفيذ كثير من المهام الروتينية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الإبداع، أو الذكاء العاطفي، أوبناء العلاقات، أو قيادة فرق العمل، وهي مهارات تظل مرتبطة بالعنصر البشري.
ولهذا، أصبح أصحاب العمل يبحثون عن أشخاص قادرين على التعلم المستمر، وليس فقط عن أصحاب المعرفةالحالية، فالموظف الذي يمتلك الرغبة في تطوير نفسه، ويتقبل الملاحظات، ويواكب التغيرات، سيكون أكثر قدرةعلى الحفاظ على مكانه في سوق العمل، مهما تغيرت الأدوات أو أساليب العمل.
ومن المهم أيضًا الإدراك أن الاستثمار في النفس لا يتوقف عند الحصول على شهادة أو إنهاء دورة تدريبية، فكل كتاب يقرأ، وكل مهارة جديدة يكتسبها، وكل تجربة عملية يخوضها، تضيف إلى رصيده المهني وتزيد من فرصه في المستقبل، كما أن المشاركة في الأعمال التطوعية، أو الأنشطة الطلابية، أو المشروعات الصغيرة، قد تسهم في تنمية مهارات القيادة والتواصل وتحمل المسؤولية، وهي أمور يقدرها أصحاب العمل عند اختيار الكفاءات.
لذلك، يمكن أن نخلص إلى نتيجة واضحة بشأن المهارات الشخصية والتقنية، وهي أنه لا يوجد تعارض بين الإثنين، فكل منهما يكمل الآخر، ويساعد في بناء شخصية ناجحة، فالمعرفة تمنحك فرصة الدخول إلى سوق العمل، لكن شخصيتك، وأسلوبك في التفكير، وقدرتك على التعاون والتعلم والتطور، هي التي تساعدك على الاستمرار والتقدم.