لعقود طويلة، اعتدنا على تقييم اقتصادات الدول من خلال شاشات تومض باللونين الأخضر والأحمر، ومؤشرات معقدة يتصدرها الناتج المحلي الإجمالي في نشرات الأخبار، نرى المذيعين يحتفون بنمو اقتصاد دولة ما بنسبة 4% أو 5%، وكأن هذا الرقم السحري هو العصا التي ستحل جميع أزمات المجتمع.
ولكن، أجد نفسي مضطراً لطرح سؤال جوهري إذا كان اقتصاد دولة ما ينمو، بينما تتآكل الطبقة الوسطى وتزداد طوابير الباحثين عن عمل.. فهل هذا اقتصاد ناجح حقاً؟
الواقع أننا نعيش في عصر يتطلب منا إعادة تعريف معنى الاقتصاد القوي، فالاقتصاد ليس مجرد جداول بيانات في أروقة وزارات المالية، بل هو الانعكاس المباشر لجودة حياة المواطن العادي، وقدرته على تأمين مستقبله، ومستوى استقراره النفسي والمادي.
ولقد أثبتت الأزمات العالمية المتلاحقة أن التركيز الحصري على معدلات النمو الكلية يخلق نمواً وهمياً وقد يرتفع الناتج المحلي الإجمالي بسبب طفرة مؤقتة في أسعار تصدير مورد طبيعي أو نتيجة تضخم في قطاع العقارات، بينما تظل قطاعات الإنتاج الحقيقي، كالصناعة والزراعة والتكنولوجيا، تعاني من الركود.
هذا النوع من الاقتصاد يخلق ثروة تتركز في أيدي قلة، ولا تتساقط ثمارها إلى القاعدة العريضة من المجتمع، فعندما ترتفع الأسعار بشكل يفوق الزيادة في الأجور، يصبح المواطن أفقر، حتى وإن كانت الأرقام الرسمية تخبره بأن اقتصاد بلاده في أزهى صوره.
كما أرى أن الدول التي تمتلك اقتصادات مستدامة حقاً اليوم ليست بالضرورة تلك التي تملك أكبر مساحات من الأراضي أو أضخم آبار الموارد الطبيعية، بل هي الدول التي استثمرت في الإنسان.
والرعاية الصحية لبناء مجتمع منتج وقادر على العطاء، والبحث والتطوير لخلق تقنيات وأسواق جديدة، كما أن هذه الدول هي التي تبني جداراً عازلاً ضد تقلبات الأسواق العالمية، فالتكنولوجيا والابتكار لا ينضبان، بينما الموارد الطبيعية لها عمر افتراضي.
ومن رأيي أن المرونة الاقتصادية تعني قدرة الدولة على امتصاص الصدمات، سواء كانت أوبئة عالمية، أو حروباً تجارية، أو أزمات مناخية، والتعافي منها بأقل خسائر ممكنة، وهذا يتطلب تنويع مصادر الدخل، تقليل الاعتماد المفرط على الاستيراد في السلع الاستراتيجية، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل العمود الفقري الحقيقي لأي اقتصاد محلي.