في زمن تتسارع فيه الحياة وتزداد فيه الضغوط اليومية قد يظن البعض أن العلاقات الإنسانية أصبحت أكثر برودا وأن كل شخص بات منشغلا بعالمه الخاص لكن الحقيقة أن الإنسانية لا تزال حاضرة تظهر في مواقف بسيطة قد لا تتصدر العناوين لكنها تترك أثرا لا يمحى في النفوس.
كم من جار حمل عن جاره هم المرض أو تكفل بشراء احتياجات أسرة تعاني ضائقة مالية دون أن ينتظر شكرا أو مقابلا؟ وكم من شاب تطوع لمساعدة مسن في عبور الطريق أو سيدة أعدت وجبة لأسرة فقدت عائلها؟ هذه المواقف قد تبدو عادية لكنها في حقيقتها تعكس جوهر المجتمع الذي يقوم على الرحمة والتكافل، فالإنسانية ليست في حجم ما نقدمه بل في صدق النية فقد تكون كلمة طيبة سببا في إنقاذ شخص من اليأس أو ابتسامة صادقة تمنح أملا لمن أثقلته الحياة وفي المقابل قد يكون التجاهل أو القسوة سببا في تعميق جراح لا يراها أحد.
ورغم انتشار الأخبار السلبية على مواقع التواصل الاجتماعي فإن القصص الإنسانية ما زالت تحدث كل يوم لكنها تحتاج فقط إلى من يسلط الضوء عليها فهناك معلم يشتري أدوات الدراسة لتلاميذه من ماله الخاص، وطبيب يخصص جزءا من وقته للكشف المجاني على غير القادرين وشباب ينظمون حملات لإطعام المحتاجين أو ترميم منازل الأسر البسيطة، فالمجتمعات لا تقاس فقط بما تمتلكه من مبان أو طرق أو مشروعات بل بما تحمله قلوب أبنائها من رحمة وتعاطف فحين يشعر الإنسان بأن هناك من يقف إلى جواره وقت الشدة يصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة وأكثر استعدادا لمد يد العون لغيره.
ولعل أجمل ما في الإنسانية أنها معدية فالموقف الطيب يلهم غيره والكلمة الحسنة تنتقل من شخص إلى آخر لتصنع سلسلة من الخير لا يعرف أحد أين تبدأ وأين تنتهي.
في النهاية يبقى الإنسان هو أغلى ما نملك وقد لا نستطيع تغيير العالم كله لكننا نستطيع أن نغير عالم شخص واحد بموقف صادق، أو كلمة صادقة أو يد تمتد في الوقت المناسب وربما يكون هذا هو المعنى الحقيقي للإنسانية الذي يستحق أن نحافظ عليه ونورثه للأجيال القادمة.