عبد الغني دياب يكتب.. كيف تخطط لمستقبلك ؟ 

في كل عام، يتكرر المشهد ذاته تتجه الأنظار إلى شاشة صغيرة تحمل الأرقام، وتتعالى الصيحات في البيوت، بين دموع الفرح وشيء من الحسرة، وكأن الحياة كلها قد اختزلت في مجموع من ثلاث خانات، وكأن الدنيا تتوقف هنا وتتعطل الحياة، فما أن تُعلن نتيجة الثانوية العامة، حتى يظن كثيرون أن السباق قد انتهى، بينما الحقيقة أن السباق الحقيقي لم يبدأ بعد.

أفراحُ البيوت وأحزانها لا تُقاس أحيانًا بحجم الدرجات، بل بتلك اللحظة التي تليها فبمجرد ظهور النتيجة، تنتهي أهميتها تدريجيًا، ويبدأ السؤال الحقيقي الذي سيحدد ملامح السنوات المقبلة: كيف تخطط لمستقبلك الجامعي، كيف تبنى أول خطوة في  طريقك المهني الحقيقي وكيف ترسم أول خطوط مستقبلك؟

قبل أن تجيب يجب أن تعلم أن كثير ممن كانت نتائجهم ضعيفة في الثانوية العامة هم الآن ساسة وبرلمانيون ورواد أعمال، بل وبعضهم أكاديميون وأساتذة جامعات وقادة رأي، فتلك المرحلة ليست مقياسا على ما بعدها، لكن الوقوف عندها والتمترس حول نتائجها قد يضيع عليك فرصة حقيقية للنجاح.

كثير من الطلاب يقعون في فخ النظر إلى النتيجة باعتبارها حكمًا نهائيًا على مستقبلهم، بينما هي في الواقع مجرد مفتاح يفتح عدة أبواب، ويبقى اختيار الباب مسؤولية صاحبه، فالدرجة قد تحدد ما تستطيع الالتحاق به، لكنها لا تحدد ما يمكنك أن تنجح فيه، ولا ما ستبدع فيه، ولا المكانة التي ستصل إليها بعد سنوات.

لذا فإن التخطيط للمرحلة الجامعية لا يبدأ من مكتب التنسيق، بل يبدأ من معرفة الذات،  اسأل نفسك أولًا: ماذا أحب؟ وفي أي المجالات أستطيع أن أتميز؟ وما طبيعة الحياة المهنية التي أطمح إليها بعد التخرج؟ فاختيار الكلية بناءً على المجموع فقط قد يمنحك مقعدًا دراسيًا، لكنه لا يضمن لك مستقبلًا مهنيًا أو حياة تشعر فيها بالرضا.

وإذا فرضت عليك الظروف تخصصا أكاديميا بعينه فما المانع من دراسته بعمق والتخصص فيه، والوصول فيه لدرجة متميزة،  وذلك لأن أكبر خطأ يرتكبه بعض الطلاب هو الانسياق وراء التصنيفات الاجتماعية القديمة التي قسمت الكليات إلى “قمة” و”عادية”، لقد تغير العالم كثيرًا. فاليوم لا يبحث سوق العمل عن اسم الكلية بقدر ما يبحث عن المهارات، والقدرة على التعلم، وإتقان اللغات، والتعامل مع التكنولوجيا، والعمل ضمن فريق، والابتكار.

كم من خريج كلية لم تكن ضمن أحلامه الأولى أصبح قائدًا في مجاله، وكم من خريج كلية كان الجميع يتمنى دخولها لم يستطع مواكبة متغيرات العصر لأنه اكتفى بالشهادة ولم يطوّر نفسه؛ ومن هنا، فإن المرحلة الجامعية ليست أربع سنوات للحصول على شهادة، بل مشروع لبناء شخصية كاملة.

كيف تخطط لمستقبلك الجامعي

الجامعة فرصة لتتعلم، وتقرأ، وتشارك في الأنشطة، وتكوّن شبكة من العلاقات، وتتدرب في المؤسسات، وتكتسب خبرات عملية قبل التخرج. ومن يدرك ذلك مبكرًا يسبق أقرانه بخطوات، حتى وإن كان قد دخل كلية بمجموع أقل.

ولا ينبغي أن يكون اختيار التخصص قرارًا عاطفيًا أو استجابة لضغوط الأسرة أو الأصدقاء، فالجامعة رحلة طويلة، وستقضي سنوات من عمرك داخل هذا التخصص، ثم سنوات أطول تعمل فيه. لذلك، امنح نفسك الوقت الكافي للبحث. اقرأ عن كل كلية، وتعرّف إلى مقرراتها الدراسية، واسأل خريجيها عن واقع سوق العمل، وابحث عن التخصصات الجديدة التي يزداد الطلب عليها عامًا بعد آخر. فالمعرفة قبل الاختيار توفر عليك سنوات من الندم.

لقد أصبح العالم أكثر مرونة من أي وقت مضى. يمكنك أن تدرس تخصصًا وتعمل في مجال مختلف، ويمكنك أن تضيف إلى شهادتك دورات احترافية، أو تتعلم البرمجة، أو اللغات، أو الذكاء الاصطناعي، أو التسويق الرقمي، أو إدارة المشروعات، فتفتح لنفسك آفاقًا لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة، وربما تكون النصيحة الأهم لكل طالب بعد إعلان النتيجة هي ألا يقارن نفسه بأحد، فلك إنسان طريقه، ولكل نجاح توقيته المختلف.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *