لم يكن الرخام وحده من أقام الإسكندرية ولم تكن أحجار الأهرامات لتتحدث لولا من صبّ العرق في نحتها قرناً بعد قرن وحين أراد الفراعنة أن يخلّدوا أنفسهم، لم يبحثوا عن مهندس ماهر فحسب، بل بنوا قبله إنساناً يعرف لماذا يبنى.
هذه هي البوصلة التي ضاعت من كثيرين: نتكلّم عن “وطن” وكأنه مجموعة مبانٍ، ونتعامل مع “نهضة” كأنها ورشة إنشائية، ونسأل عن “مستقبل” كأن الأرقام وحدها تصنعه.
لكن الذي يقرأ التاريخ بعين فاحصة يكتشف أن كل أمة قفزت من رمادها إلى سمائها، لم تبدأ بجدار ولا بدولار، بل بدأت بسؤال صعب: ماذا نريد أن يكون عليه ابناؤنا؟ حين يُبنى الداخل قبل الخارج لا يخفى على عاقل أن مستشفى بلا طبيب مخلص، تُصير مبان ميتة بلا روح تُحييها. ومدرسة تملأ غرفها أجهزة ذكية وسبورات مضيئة دون وجود مدرس كفئ لن تنتج لنا إلا خرّيجاً يعرف كيف يحفظ ولا يعرف كيف يفكر.
حين نتحدث عن بناء الإنسان، فإننا لا نتحدث عن مناهج مُحشوة بل عن تعليم يصنع سؤالاً قبل أن يصنع جواباً، ورعاية صحية تحفظ للمرء كرامته قبل أن تحفظ له عمره، وثقافة تشحذ في الروح حِسّ الجمال قبل أن تشحذ فيه حِسّ المنفعة.
الأمم التي عرفت طريقها لم تبنيه على مظاهر خارجية، بل أشعلت في داخل كل فرد ناراً صغيرة لم تنطفئ.
الضمير.. الذي لا يُشترى بالمال
كثيراً ما نقف أمام السؤال القديم الطازج: ما الذي يجعل أمة تصمد وأمة تنهار؟ ليست الإجابة في دباباتها ولا في خزائنها.
الإجابة مختبئة في شيء لا يوزن ولا يُقاس: ضمير المواطن.
ذلك الشعور الهادئ الذي يجعل البائع يزن بالعدل، والموظف يحترم وقته، والجار يمدّ يده حين تحترق بيوت جيرانه.
هذه ليست شعارات تُعلّق على الجدران، بل قيم تتسلّل إلى العظام من بيت العائلة وشارع المدرسة وركن المسجد. أمة تتكوّن من ملايين الضمائر الحيّة، تُشبه غابة متشابكة الأشجار، كل شجرة فيها تحمي أختها، فتصمد في وجه العاصفة ولا تنكسر.
حين يصير الوعي درعاً ها نحن نعيش زمناً صعباً زمناً تتساقط فيه الكلمات من خلف الشاشات كما تتساقط الأوراق في الخريف، وزمناً تتلوّث فيه الحقائق حتى يصعب تمييزها من الأكاذيب.
في مثل هذا الجو، لا ينجو إلا من يملك مناعة فكرية: من يعرف تاريخه فلا يُخدع، ومن يفهم محيطه فلا يُفاجأ، ومن يملك القدرة على أن يقول “لا” حين يطلب منه أحد أن يكون أداة.
بناء الإنسان، في عمقه الحقيقي، هو أن تصنع هذا المواطن الذي لا يقف متفرّجاً على مشهد بلده، بل يدخل فيه شريكاً، يتحمّل وزر قراراته كما يتحمّل نصيبه من خيرها.
كلمة لا بد منها..
ربما ظنّ بعضهم أن نهضة الأوطان تمرّ عبر أبواب عريضة: أبواب البنوك، أبواب المصانع، أبواب الحكومات لكنها في الحقيقة تمرّ من أضيق الأبواب على الإطلاق: باب غرفة طفل.
الطفل الذي يجلس الليلة على ركبة أمه يتعلم منها كيف يكون، هو ذاته الرجل الذي سيقف بعد ثلاثين عاماً عند مفترق طرق يقرر فيه مصير أمته.
والشاب الذي يتصفح اليوم كتاباً أويحمل مفكاً أو حلمًا في كفّه، هو ذاته الذي سيرفع غداً سقف بلده أو يخفضه. حين نُقدّم للإنسان ما يستحقه — لا بالمال وحده بل بالتعليم الواعي، والصيانة الكريمة للروح، والاحترام الذي لا يتزعزع — فإننا لا نُنتج موظفين ولا طلبة، بل نُنتج وطناً كاملاً.
لأن الأوطان، في آخر المطاف، لا تسقط حين تهدم جدرانها، بل تسقط حين يخون أهلها قيمهم وتعلو حين يتذكّر كل واحد منهم أنه لم يُولد ليأخذ بل ليبني، ولينتمي.