صينية بطاطس بالسعادة: عن البهجة التي نسيت مكانها في صالة البيت

 هناك لحظة دافئة يعرفها كل من عاش في بيت مصري أصيل.. تلك اللحظة التي تخرج فيها صينية البطاطس بالدجاج من

الفرن، برائحتها التي تملئ البيت وتصل إلى الجيران، لتلتف الأسرة حول الطاولة في صمت مؤقت لا يقطعه إلا صوت ملعقة

تصطدم بطبق، لم يكن لدى أحدنا وقتها خطة استراتيجية لـ “إدارة السعادة”، ولم نكن نعرف مصطلحات مثل “المؤشرات

الإيجابية” أو “الرفاهية النفسية”، كانت السعادة بسيطة كخبز طازج، ومتاحة للجميع.

 

لكن الأيام مرت، وكبرنا، وشغلنا الشاغل أصبح مطاردة السعادة وكأنها كائن خفي يهرب منا، ننتظرها في ترقية جديدة، أو

في شراء سيارة أحدث، أو حتى في عطلة نهاية أسبوع نعد لها العدة لشهور.. وهنا بالضبط نقع في الفخ، إذ نقوم بـ “تأجيل”

البهجة  لحين إشعار آخر، وننسى أن السعادة ليست نصاً سينمائياً ينتظر “المشهد الأخير”، بل هي طريقة إخراج الفتات

اليومي البسيط.

 

في تفاصيل الحياة ثمة منطقة وسطى أهملناها جميعاً.. منطقة تشبه صالة البيت القديمة التي تفوح منها رائحة البخور بعد

صلاة الجمعة.. السعادة في جوهرها ليست محض صدفة سعيدة تهبط عليك من السماء وأنت جالس تنتظرها، بل هي “عملية

إدارية” واعية، تحتاج منك أن تكون مديراً شجاعاً لقلبك وذهنك.

 

إدارة السعادة تبدأ من قدرتك على جرف المخاوف الصغيرة التي تتراكم على رصيف يومك.. أن تتوقف عن إعادة عرض

المواقف المحرجة أو الخسارات القديمة في رأسك قبل النوم، تماماً كما تتخلص من الكراكيب القديمة أسفل السرير لكي تتنفس

الغرفة، السعادة هي أن تمتلك الشجاعة لتقول “لا” لما يستهلك روحك، وأن تفرك عينيك جيداً لترى النعم الصغيرة التي

اعتادت عينك عليها فصارت باهتة: كوب الشاي بالنعناع في عصارية هادئة، ضحكة غير مفتعلة مع صديق قديم على مقهى

في وسط البلد، أو صوت المطر وهو يضرب زجاج النافذة بينما أنت دافئ في الداخل.

 

إننا نرهق أنفسنا كثيراً بالركض وراء “السعادة الكبرى”، بينما الحياة تتشكل من آلاف التفاصيل الصغيرة التي تتسرب من بين

أصابعنا ونحن ننظر إلى البعيد، لا تحتاج إلى وضع خطة خماسية لتكون سعيداً اليوم، كل ما تحتاجه هو أن تخلع نظارة

الترقب، وتجلس على المقعد القريب، وتستمتع بالمشهد كما هو بنقاط قوته وضياع بعض أجزائه.

 

في النهاية، إدارة السعادة لا تعني أن تختفي المشاكل من حياتك بلمسة ساحر، بل تعني ألا تسمح للمشاكل بأن تسرق منك

القدرة على الابتسام لصينية البطاطس حين تعود إلى البيت تعباً، السعادة ليست في القمة التي تحاول الوصول إليها، بل في

الراديو الذي يعمل بصوت خفيض في خلفية الطريق وأنت تصعد.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *