كيف نصنع تعاستنا بأيدينا؟

ليس كل من يبدو منهكًا يحمل عبئًا ثقيلًا، وليس كل من يبتسم يعيش حياة مريحة. أحيانًا يكون المصدر الحقيقي للتعاسة أقرب مما نتخيل.. ليس في الظروف، ولا في الناس، بل في الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا وإلى العالم، فبينما ينشغل كثيرون بالبحث عن أسرار السعادة، يغفلون سؤالًا أكثر إثارة: ما الذي نفعله كل يوم ليجعلنا أكثر تعاسة؟ .. تبدو الإجابة صادمة، لأنها تنقل المسؤولية من الخارج إلى الداخل، فالإنسان قد يعتاد تضخيم أخطائه، ويؤجل أحلامه خوفًا من الفشل، ويقارن حياته باستمرار بحياة الآخرين، ثم يتساءل لماذا يشعر بالاختناق، ومع تكرار هذه السلوكيات تتحول إلى عادات ذهنية، حتى تبدو وكأنها جزء طبيعي من الشخصية، بينما هي في الحقيقة أنماط مكتسبة يمكن تغييرها.

 

أحد الكتب التي تناولت هذه الفكرة اختار طريقًا مختلفًا عن كتب التنمية البشرية المعتادة، فبدلًا من تقديم وصفات جاهزة للسعادة، انطلق من الجانب المقابل، كاشفًا السلوكيات اليومية التي تصنع التعاسة دون أن ينتبه أصحابها إليها، إنها طريقة تدفع القارئ إلى مراجعة نفسه قبل أن يبحث عن حلول خارجية.

 

الفكرة المحورية أن العقل لا يتعامل دائمًا مع الواقع كما هو، بل كما اعتاد أن يفسره. فمن يعتقد أنه غير كفء سيجد في كل تجربة دليلًا يؤكد هذا الاعتقاد، ومن ينتظر الرفض سيرى الإشارات السلبية أكثر من غيرها، وهكذا تتحول الأفكار إلى عدسة تشوه الصورة، ثم يظن الإنسان أن العالم هو المشكلة، بينما تكمن الأزمة في طريقة قراءته له، ويتوقف الكتاب طويلًا أمام عادة جلد الذات، فالخطأ عند بعض الناس لا يبقى مجرد موقف عابر، بل يتحول إلى حكم دائم على الشخصية كلمة قاسية، أو قرار غير موفق، أو تجربة فاشلة، قد تصبح عنوانًا يختصر حياة كاملة.. ومع مرور الوقت يفقد الإنسان ثقته بقدرته على التغيير، لأنه يخلط بين ما فعله يومًا وما هو عليه بالفعل.

 

ولا تقل المقارنة المستمرة خطورة عن ذلك.. فحين يقيس الإنسان نفسه بما يراه من نجاحات الآخرين، متجاهلًا ظروفهم وتجاربهم، يدخل سباقًا لا نهاية له، ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح هذا الشعور أكثر حضورًا، إذ تعرض الشاشات لحظات النجاح، بينما تخفي ما سبقها من إخفاقات وتحديات.

 

الرسالة التي يتركها هذا الطرح ليست دعوة إلى التفاؤل الساذج، ولا إنكارًا لصعوبة الحياة، بل تذكير بأن كثيرًا من المعاناة يتضاعف بسبب الأفكار التي نكررها لأنفسنا.. فحين يتغير الحوار الداخلي، تتغير طريقة التعامل مع المواقف، ويصبح الفشل تجربة يمكن التعلم منها، لا شهادة بعدم الكفاءة، ولذلك لا يخرج القارئ بانطباع أن السعادة وصفة جاهزة يمكن اقتناؤها، بل يدرك أن التخلص من التعاسة يبدأ أحيانًا بالتوقف عن ممارسات اعتادها سنوات طويلة .. فالحياة لا تصبح أخف لأن الظروف تبدلت فجأة، وإنما لأن الإنسان تعلم أخيرًا ألا يكون خصمه الأول، وأن يفسح لنفسه فرصة لرؤية الواقع كما هو، لا كما تمليه عليه مخاوفه القديمة.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *