العلم والعمل.. شراكة لا تنفصم

العلم شجرة، والعمل ثمرتها، وبينهما رابط لا ينفصم، فما قيمة الشجرة إن كانت بلا ثمر، وما جدوى العلم إن ظل حبيس الأدراج ولم يتحول إلى واقع ملموس يغير حياة صاحبه ومن حوله؟

إن الذي يتأمل واقعنا المعاصر، يرى بأم عينه مفارقة غريبة، ففي عصر طغت فيه المعرفة، وتعددت فيه وسائل العلم، وامتدت فيه رقعة التعليم، نجد أن كثيرًا من حملة الشهادات والعلماء والمتعلمين يعيشون حالة من العقم المعرفي، لا يترجمون ما تعلموه إلى سلوك، ولا يحولون ما قرأوه إلى فعل، فيتحول العلم عندهم إلى مجرد كلمات تقال، ونظريات تدرس، وشهادات تعلق على الحيطان، دون أن يكون لها أثر في ضمائرهم أو واقع مجتمعاتهم.

وليس هذا غريبًا على ديننا الحنيف، الذي جعل العلم من أعظم القربات، لكنه لم يجعله غاية، بل جعله طريقًا إلى العمل، وسبيلًا إلى الإصلاح، ووسيلة لبناء الأرض وعمارتها. وهذا هو الفارق الجوهري بين ثقافتنا الإسلامية وغيرها من الثقافات، فالعلم في مناهجنا ليس للتباهي أو للتفاخر، بل للعمل به ونشره وتعليمه للناس، وإلا كان وبالًا على صاحبه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة". رواه أبو داود.

ولنا في سلفنا الصالح أسوة حسنة، كانوا إذا تعلموا آية من كتاب الله، وقفوا عندها، وتدبروها، وعملوا بها، حتى يرسخ معناها في قلوبهم، وينعكس أثرها على حركتهم وسلوكهم، فكان الواحد منهم إذا تعلم بابًا من العلم، أخذ نفسه به، فلا ينتقل إلى غيره حتى يعمل بمقتضاه. هذه هي التربية الإيمانية التي صنعت رجالًا غيروا التاريخ، وبنوا حضارة، وقدموا للبشرية نموذجًا فريدًا في كيف يكون العلم نورًا ينير الطريق، وعملًا يعمر الأرض.

أما اليوم، فإن الانفصال بين العلم والعمل أصبح ظاهرة مرضية تعصف بالمجتمعات، فنرى عالمًا يخطئ في فهم دينه، ومتعلمًا لا يلتزم بأخلاق علمه، وطبيبًا يغفل عن أمانة مهنته، ومهندسًا يتساهل في إتقان عمله، ومعلمًا يفرط في رسالته، وكأن العلم عبء على صاحبه، لا نور يهديه!

ولاشك أن هذه الظاهرة لها أسبابها، منها: غياب القدوة الصالحة، وضعف الوازع الديني، وطغيان الماديات، وتحول العلم إلى مجرد وسيلة للحصول على شهادة أو وظيفة، دون أن يكون رسالة ومهمة إنسانية. وهي أسباب تحتاج إلى وقفة صادقة من كل منا، ليعيد حساباته، ويصحح مساره، ويسأل نفسه قبل أن ينام كل ليلة: ماذا صنعت اليوم بعلمي؟ هل أضفت خيرًا لنفسي أو مجتمعي؟ أم ظل علمي حبيسًا لا ينفع ولا يدفع؟

إن المعادلة واضحة لا لبس فيها: العلم نور، والعمل حياة، والنور بلا حياة لا قيمة له، والحياة بلا نور ضياع ودمار. ولن تنهض أمتنا إلا عندما يعود العلم إلى موضعه الطبيعي، فيكون قيادةً للسلوك، ومنطلقًا للفعل، ومحركًا للتغيير، كما كان عليه الحال في عصر ازدهار الحضارة الإسلامية.

ويبقى أن نذكر أن خير الناس أنفعهم للناس، وأنفع الناس من جمع بين العلم والعمل والإخلاص، فكان علمه نهجًا، وعمله عبادة، وإخلاصه طريقًا إلى رضا الله، ومن هنا تنبع السعادة الحقيقية، ومن هنا تتحقق النهضة المنشودة.

فهل آن الأوان لنعيد ربط العلم بالعمل؟ وهل حان الوقت لنصنع من المعرفة طاقة تغير واقعنا، بدلًا من أن تظل حبرًا على ورق؟

القرار في أيدينا، والفرصة ما زالت قائمة، فمن كان للعلم أهلاً، كان للعمل أهلًا، ومن سلك طريق النور، وجد طريق الحياة.

شارك هذا المنشور