حين تُذكر كلمة اقتصاد يتجه ذهن كثير من الناس إلى البورصة وأسعار العملات والتضخم وأسعار الفائدة لكن الحقيقة أن الاقتصاد يبدأ قبل ذلك بكثير يبدأ من القرار الذي يتخذه الإنسان وهو يبيع أو يشتري ويعمل أو ينتج ويوفي بوعده أو يتهرب منه… لهذا فإن السؤال الأهم ليس كيف نجعل الاقتصاد أكبر؟ بل كيف نجعله أكثر أخلاقًا؟
فالاقتصاد الأخلاقي ليس مصطلحًا مثاليًا بعيدًا عن الواقع بل هو نموذج يجعل القيم جزءًا من دورة الإنتاج والتجارة والاستهلاك فكلما ارتفعت الأخلاق في السوق انخفضت تكلفة الفوضى وكلما زادت الثقة بين الناس قلت الحاجة إلى التعقيدات والرقابة والنزاعات.
عندما يلتزم التاجر بالصدق فإنه لا يحافظ فقط على سمعته بل يخلق علاقة طويلة الأمد مع عملائه وعندما يرفض المصنع الغش في الخامات فإنه يحمي المجتمع قبل أن يحمي علامته التجارية وعندما يؤدي الموظف عمله بإتقان فإنه يضيف قيمة حقيقية للاقتصاد حتى لو لم يدرك ذلك.
في المقابل فإن الكذب في الإعلان والغش في المنتجات والاحتكار والرشوة والتهرب من المسؤولية كلها ليست مجرد مخالفات أخلاقية بل خسائر اقتصادية أيضًا فهي تضعف ثقة المستثمر وتدفع المستهلك إلى التردد وترفع تكلفة ممارسة الأعمال وتستهلك وقتًا وجهدًا كان يمكن توجيههما إلى التنمية والإنتاج.
ولهذا فإن بناء اقتصاد قوي لا يبدأ دائمًا من إنشاء مصنع جديد أو إطلاق مشروع ضخم وإنما يبدأ أيضًا من ترسيخ ثقافة الأمانة والانضباط والشفافية في كل معاملة مهما كانت صغيرة وليس المقصود أن تتحول الأخلاق إلى شعارات ترفعها الشركات في حملاتها الإعلانية بل إلى ممارسات يمكن قياسها فالشركة التي تحترم حقوق العاملين وتلتزم بجودة منتجاتها وتعلن أسعارها بوضوح تمارس اقتصادًا أخلاقيًا أكثر من شركة ترفع شعارات براقة بينما تخفي ممارسات تضر بالمجتمع.
كما أن المستهلك نفسه شريك في هذه المنظومة فعندما يفضل شراء المنتج الجيد على المنتج المغشوش ويرفض التعامل مع من يخدعه حتى لو كان السعر أقل فإنه يرسل رسالة واضحة إلى السوق النجاح لا يكون بالغش وإنما بالثقة والجودة وتتحمل المؤسسات التعليمية والإعلامية مسؤولية لا تقل أهمية فبدلاً من تقديم النجاح باعتباره مجرد جمع للثروة ينبغي أن نرسخ فكرة أن النجاح الحقيقي هو صناعة قيمة نافعة للناس وأن الربح المشروع لا يتعارض مع الضمير بل يعتمد عليه.
والاقتصاد الأخلاقي لا يعني التخلي عن المنافسة بل يجعل المنافسة أكثر عدالة ولا يعادي الربح بل يحمي استدامته فالأرباح التي تُبنى على الثقة تدوم أما الأرباح التي تقوم على الخداع فقد تحقق مكسبًا سريعًا لكنها تترك وراءها سوقًا أقل استقرارًا ومجتمعًا أقل اطمئنانًا.
وربما تكون أعظم ميزة للاقتصاد الأخلاقي أنه لا يحتاج إلى موارد طبيعية إضافية ولا إلى تكنولوجيا معقدة حتى يبدأ إنه يحتاج إلى قرار يتخذه كل فرد في موقعه أن يكون نزيهًا فيما ينتج وصادقًا فيما يبيع وعادلًا فيما يحاسب وأمينًا فيما يتحمل من مسؤولية.
فالاقتصاد ليس مجرد حركة للأموال بل حركة للقيم أيضًا وإذا أردنا اقتصادًا أكثر قوة وقدرة على مواجهة الأزمات فعلينا أولًا أن نبني سوقًا يحترم الإنسان قبل أن يحترم الأرقام فالثقة قبل أن تكون قيمة أخلاقية هي رأس مال لا يظهر في الميزانيات لكنه يصنع الفرق بين اقتصاد يعيش على المكاسب المؤقتة وآخر يبني مستقبله على أسس راسخة.