مفهوم الثقافة بالعلم والاختلاف

كتب: عمرو أمين

يختلط على الناس في كثير من الأحيان، مفهوم الثقافة بالعلم، فيتم النظر إلى الشخص كثير القراءة أو واسع الاطلاع على أنه عالم، بينما الحقيقة أن بين المصطلحين فرقًا جوهريًا، فالثقافة توسع آفاق الإنسان، أما العلم فلا يكتمل إلا إذا تحول إلى ممارسة وسلوك وعمل ينعكس على الواقع.

المعنى المدرج للثقافة هو أنها الحصيلة التي يكتسبها الإنسان من القراءة، والاطلاع، والتجارب، ومتابعة الأحداث، والتعرف على الحضارات والفنون والآداب والعلوم المختلفة، كما أنها تمنح صاحبها قدرة على الحوار، وفهم المجتمع، واستيعاب الأفكار المتنوعة.

وقد تجد شخصًا مثقفًا يقرأ في التاريخ والسياسة والاقتصاد والأدب والفلسفة، ويملك معلومات غزيرة في مجالات متعددة، لكنه لم يتخصص في أحدها، ولم يمارسها عمليًا.. لذلك، فالثقافة تعني سعة المعرفة، وليست بالضرورة دليلاً على التخصص أو الإتقان.

على الجانب الآخر، يعرف العلم بأنه أعمق من مجرد جمع المعلومات، فهو معرفة قائمة على الفهم والدراسة والتجربة، ثم تتحول إلى تطبيق وممارسة، فالطبيب لا يصبح طبيبًا بمجرد قراءة كتب الطب، بل بعد سنوات من الدراسة والتدريب العملي وممارسة المهنة.. كذلك المهندس لا يكفيه الإلمام بالنظريات، بل لا بد أن يطبقها في تصميم وتنفيذ المشروعات.

قد يكون الإنسان مثقفًا وليس عالمًا

ليس كل مثقف عالمًا، وليس كل عالم مثقفًا.. فقد تجد قارئًا موسوعيًا يحفظ آلاف المعلومات، لكنه لا يستطيع توظيفها في حل مشكلة أو إنتاج معرفة جديدة، وهذا مثقف، وفي المقابل قد تجد باحثًا متخصصًا أحدث إنجازات كبيرة في مجاله، لكنه لا يهتم بالاطلاع على مجالات أخرى، فيكون عالمًا في تخصصه، وإن كانت ثقافته العامة محدودة.. أما الصورة الأكمل فهي أن يجمع الإنسان بين الاثنين؛ ثقافة واسعة، وعلم راسخ يُترجم إلى عمل وإنتاج.

أحد أهم الفروق بين الثقافة والعلم هو أن الثقافة يمكن أن تبقى في الذهن، بينما العلم لا تكتمل قيمته إلا بالممارسة، فمن يعرف قواعد القيادة ولا يقود سيارة، لا يُعد سائقًا، ومن يحفظ كتب البرمجة ولا يكتب برنامجًا، لم يمارس العلم الذي تعلمه، ومن يقرأ عن الإدارة ولا يدير فريقًا أو مؤسسة، يبقى مطلعًا أكثر منه متخصصًا.

إذن فالعلم لا يقاس بكمية المعلومات التي يحملها الإنسان، وإنما بقدرته على توظيفها في الواقع، وحل المشكلات، وإنتاج قيمة للمجتمع.

أخيرا فإن الثقافة والعلم ليسا متعارضين، بل يكمل أحدهما الآخر.. فالثقافة تمنح الإنسان اتساع الأفق وحسن الفهم، بينما يمنحه العلم القدرة على الإبداع والإنجاز، في حين أن الفارق الأهم هو أن الثقافة هي معرفة يكتسبها الإنسان، أما العلم فهو معرفة يتم ممارستها وجني ثمارها بعد فترة.

ولهذا، فإن قيمة الإنسان لا تقاس بما قرأه فقط، بل بما صنعه بعلمه، وما قدمه لمجتمعه من أثر نافع، فالمعرفة التي لا تتحول إلى عمل تبقى معلومات، أما حين تترجم إلى ممارسة فإنها تصبح علمًا حقيقيًا يغير الواقع ويبني الأمم.

شارك هذا المنشور