بريق زائق.. السعادة البلاستيكية في زمن السوشيال ميديا

لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتواصل، بل تحولت لدى كثيرين إلى منصة لعرض حياة تبدو مثالية. صور لرحلات فاخرة، ووجبات فاخرة، وهدايا باهظة، وابتسامات لا تنتهي، حتى أصبح البعض يقيس سعادته بما ينشره الآخرون، لا بما يشعر به في واقعه. ومن هنا برز مفهوم "السعادة البلاستيكية"، وهي سعادة لامعة من الخارج، لكنها قد تخفي خلفها فراغًا أو ضغوطًا أو مشاعر لا يراها أحد.

على هذه المنصات، يختار كل شخص أجمل لحظاته ليشاركها، بينما تبقى لحظات التعب والقلق والإخفاق خارج إطار الصورة. ومع التكرار، ينسى المتابع أن ما يراه ليس الحياة كاملة، بل نسخة منتقاة بعناية. فيبدأ بمقارنة واقعه الطبيعي بحياة افتراضية تبدو كاملة، فيشعر أن سعادته أقل، وأنه بحاجة إلى المزيد من المال أو الشهرة أو المظاهر ليحظى بالشعور نفسه.

وتدفع خوارزميات مواقع التواصل هذا الاتجاه؛ فكل إعجاب أو تعليق أو مشاركة يمنح صاحبه شعورًا مؤقتًا بالرضا، فيسعى إلى تكراره بنشر المزيد من المحتوى الذي يجذب الانتباه. ومع الوقت، قد تتحول السعادة إلى أرقام على الشاشة، ويصبح التقدير الحقيقي مرهونًا بعدد المتابعين، لا بقيمة الإنسان أو جودة علاقاته.

ولا يعني ذلك أن مواقع التواصل الاجتماعي شر مطلق، فهي تتيح التعلم والتواصل وإلهام الآخرين، لكنها تصبح مشكلة عندما تتحول إلى مرآة نقيس بها قيمتنا أو إلى مسرح نرتدي فيه أقنعة السعادة طوال الوقت. فالإنسان ليس مطالبًا بأن يبدو سعيدًا في كل لحظة، ولا أن يعيش حياة مثالية حتى يستحق التقدير.

السعادة الحقيقية لا تحتاج إلى فلتر، ولا تُقاس بعدد الإعجابات، ولا تزداد بانتشار صورة أو مقطع فيديو. إنها شعور هادئ ينمو من علاقة صادقة، وإنجاز حقيقي، وراحة نفسية، وإيمان بأن قيمة الإنسان فيما يعيشه، لا فيما يعرضه على الشاشات. وبين السعادة التي نصنعها للآخرين، والسعادة التي نعيشها لأنفسنا، يبقى الفرق كبيرًا… كالفرق بين زهرة من البلاستيك تبدو جميلة، وأخرى حقيقية تنبض بالحياة.

شارك هذا المنشور