السوشيال ميديا.. بين صناعة الوعي وتغيير القيم..

محمد صلاح

لم يعد الهاتف المحمول مجرد وسيلة للاتصال، بل أصبح نافذة يطل منها الشباب على العالم، يقضون أمامها ساعات طويلة يوميًا يتابعون الأخبار، ويتبادلون الآراء، ويصنعون المحتوى، ويكونون صداقات تمتد عبر القارات.

ومع هذا الحضور القوي لوسائل التواصل الاجتماعي، يبرز سؤال يفرض نفسه: هل أصبحت السوشيال ميديا شريكًا في بناء شخصية الشباب، أم أنها تعيد تشكيل قيمهم وسلوكياتهم بصورة قد لا يدركونها؟

في السنوات الأخيرة، تغيرت مفاهيم كثيرة لدى الشباب بفعل ما يتعرضون له يوميًا من محتوى متنوع، فهناك من وجد في هذه المنصات فرصة للتعلم، واكتساب المهارات، والانطلاق نحو ريادة الأعمال والعمل الحر، بينما انجرف آخرون وراء سباق الشهرة وعدد المتابعين، حتى أصبحت قيمة الإنسان عند البعض تُقاس بما يحققه من مشاهدات وتفاعلات.

ولعل أخطر ما فرضته السوشيال ميديا هو قدرتها على التأثير في السلوك اليومي، فالكثير من العادات، وطريقة الحديث، والملابس، وحتى أسلوب التفكير، أصبحت تتأثر بما يقدمه صناع المحتوى والمؤثرون، الأمر الذي أدى في بعض الأحيان إلى تراجع بعض القيم الأصيلة مثل احترام الخصوصية، وتقدير العمل الجاد، والالتزام بآداب الحوار، مقابل انتشار ثقافة الاستعراض والبحث عن الانتشار السريع.

ورغم ذلك، لا يمكن إنكار الوجه المشرق لهذه المنصات، فقد لعبت دورًا مهمًا في نشر المبادرات المجتمعية، والتوعية بالقضايا الصحية والبيئية، ودعم المشروعات الصغيرة، وإتاحة فرص التعلم المجاني، بل وتحولت إلى منصة لاكتشاف المواهب وإيصال أصوات الشباب إلى ملايين الأشخاص.

ويرى متخصصون في التربية وعلم الاجتماع أن المشكلة ليست في وسائل التواصل نفسها، وإنما في طريقة استخدامها، فالمنصات الرقمية تشبه أي أداة؛ يمكن أن تكون وسيلة للبناء إذا استُخدمت بوعي، وقد تصبح سببًا في نشر سلوكيات سلبية إذا غاب التوجيه والرقابة الذاتية.

ومن هنا تبرز أهمية دور الأسرة في بناء الثقة والحوار مع الأبناء، ودور المدرسة في تنمية مهارات التفكير النقدي والوعي الرقمي، إلى جانب مسؤولية وسائل الإعلام والمؤثرين في تقديم محتوى يحترم العقل ويعزز القيم الإيجابية، بدلاً من السعي وراء الإثارة على حساب الأخلاق.

وفي النهاية، تبقى السوشيال ميديا سلاحًا ذا حدين، فهي قادرة على صناعة جيل واعٍ ومبدع إذا أحسن استخدامها، وقادرة في الوقت نفسه على إحداث تغيرات عميقة في منظومة القيم إذا تُركت دون وعي أو توجيه. ويبقى الرهان الحقيقي على وعي الشباب أنفسهم، فهم أصحاب القرار في اختيار ما يشاهدون، وما يصدقون، وما ينشرون، لأن كل ضغطة زر قد تترك أثرًا يتجاوز الشاشة إلى واقع المجتمع بأكمله.

شارك هذا المنشور