لم يعد الوصول إلى المعلومة أمرًا صعبًا. فخلال دقائق معدودة يستطيع أي شخص أن يقرأ عشرات المقالات ويشاهد محاضرات ويحفظ اقتباسات في مختلف المجالات لكن هذا الواقع يفرض سؤالًا مهمًا وهو هل أصبحنا أكثر علمًا أم فقط أكثر اطلاعًا؟
ويجب أن تعرفوا أن هناك فرق جوهري بين الثقافة والعلم ورغم أن كثيرين يستخدمون المصطلحين بمعنى واحد فإن الفارق بينهما كبير.. فالثقافة هي حصيلة ما يكتسبه الإنسان من قراءات وتجارب واطلاع على الأفكار والأحداث إنها توسع الأفق وتمنح القدرة على فهم العالم من زوايا مختلفة وتجعل الإنسان أكثر وعيًا بما يدور حوله ولذلك فالمثقف يستطيع أن يناقش في السياسة والاقتصاد والأدب والتاريخ والفن حتى وإن لم يكن متخصصًا في أي منها.
أما العلم فهو أعمق من مجرد امتلاك المعلومات العلم الحقيقي هو المعرفة التي تتحول إلى فهم ثم إلى ممارسة ثم إلى أثر يظهر في حياة الإنسان وسلوكه. فلا قيمة لمعرفة لا تغير صاحبها ولا فائدة من علم يبقى حبيس الكتب أو الشهادات وقد يعرف الإنسان أهمية الأمانة لكنه لا يلتزم بها في عمله وقد يحفظ قواعد الإدارة المالية ثم يعجز عن إدارة دخله الشخصي وقد يقرأ عشرات الكتب عن التربية لكنه لا يحسن التعامل مع أبنائه في هذه الحالات المشكلة ليست نقصًا في المعلومات وإنما غياب التطبيق.
ولهذا قيل قديمًا ليس العلم ما حُفظ، وإنما العلم ما نفع فالمعيار الحقيقي لأي معرفة هو مقدار انعكاسها على الواقع فالعلم الذي لا يغير السلوك يتحول مع الوقت إلى معلومات مخزنة أما العلم الذي يُمارس فيصبح جزءًا من شخصية الإنسان.
ومن هنا يمكن أن نجد شخصًا بسيطًا لم يحصل على شهادات كثيرة لكنه يطبق ما تعلمه بإتقان فيكون أثره في المجتمع أكبر من شخص يمتلك كمًا هائلًا من المعلومات دون أن يترجمها إلى عمل فالقيمة ليست في كمية ما نعرف وإنما في كيفية استخدام ما نعرف.. ولعل أحد التحديات التي يواجهها المجتمع اليوم هو أن البعض أصبح يهتم بجمع المعلومات أكثر من الاهتمام ببناء العادات والسلوك نقرأ عن احترام الوقت ثم نتأخر عن مواعيدنا ونتحدث عن أهمية القراءة لكننا لا نخصص لها وقتًا نشجع على العمل الجماعي بينما نمارس الفردية في أبسط المواقف وهنا يظهر الفارق بين الثقافة التي تثري العقل والعلم الذي يصنع الإنسان.
فالمجتمعات لا تتقدم بكثرة المعلومات وحدها وإنما بقدرتها على تحويل المعرفة إلى ممارسة يومية فالطبيب لا يقاس بما قرأه بل بما يقدمه لمرضاه والمهندس لا يقاس بعدد الكتب التي اقتناها بل بما ينفذه على أرض الواقع وكذلك المعلم لا يقاس بما يحفظه بل بما يغرسه في طلابه.
فالثقافة ضرورة لأنها تفتح للعقل نوافذ جديدة لكن العلم هو الذي يمنح تلك المعرفة قيمتها الحقيقية عندما تتحول إلى سلوك وعمل فليس المهم أن تعرف الطريق وإنما أن تسلكه وليس المهم أن تمتلك المعلومة وإنما أن تجعلها جزءًا من حياتك… وربما آن الأوان أن نتوقف عن سؤال أنفسنا كم معلومة تعلمنا اليوم؟ ونبدأ بسؤال أكثر أهمية وهو ما الذي طبقناه مما تعلمناه؟