كتبت: منى عبيد
في بعض الحكايات؛ لا تُكتب الطفولة على هيئة ذكريات مرِحة، بل تُسجَّل كمسار طويل من الصبر المبكر، وكأن العمر يُختصر في هدف واحد أكبر من سن صاحبه، فهناك أرواح تُدفع منذ البداية إلى حافة النضج، وتتعلم كيف تمشي بثبات قبل أن تتعلم كيف تركض بلا سبب.
في هذه القصة، لم تكن الطفولة مساحة للعب أو للاكتشاف العفوي للعالم، بل كانت محكومة بإيقاع دقيق من الالتزام والتوقعات العالية، ما بين نمط الدراسة الصارم، وغياب المساحات البسيطة التي تسمح بالفوضى بعض الوقت، تشكلت ملامح فتاة لم تُمنح رفاهية التدرج الطبيعي، لكنها واصلت الصعود، خطوة بعد أخرى، حتى حين كان الداخل مثقلاً بما لا يُقال.
حلم وجد طريقه إلى الضوء من جديد
«نانيس هشام » حكاية حلم نما مبكرًا أكثر مما ينبغي، وقلب تعلم أن ينجو بالإنجاز حين ضاق عليه الاتساع، ومسار لم يكن سهلًا، لكنه ظل منفتحًا على احتمالات جديدة، مؤمن أن أي لحظة ضعف عابرة لا يمكن أن تختزل رحلة كاملة، وأن ما ينطفئ في الظاهر، يجد والإصرار والإيمان بالذات طريقه إلى الضوء من جديد
نشأت الفتاة العشرينية نانيس هشام، داخل بيئة أسرية دافئة ومستقرة ماديًا، لكنها لم تمارس أفعال الطفولة بشكلها الطبيعي، إذ غاب عن يومها الانخراط في أنشطة الأطفال المعتادة، واقتصر شعورها بالحرية على فترات الإجازة الصيفية فقط، حين تسمح الظروف بانفراجة قصيرة من ضغط الدراسة والقراءة والتعلم المستمر.
نظام تعليمي مضبط
طغى على تفاصيل يومها، منذ أن التحقت بمرحلة رياض الأطفال، طابع تعليمي منضبط والصارم، فبدت وكأنها انتقلت مباشرة من مرحلة الطفولة إلى مسؤوليات الدراسة، دون مساحة حقيقية للعب أو الترفيه.
التفوق المبكر وبداية تعليمية ضاغطة
ظهرت ملامح التفوق مع بداية مسيرتها التعليمية، ولاسيما أن والدتها ذهبت إلى اختيار مدارس لغات ذات سمعة القوية ونظام تعليمي صارم، وهو ما زاد من وتيرة الضغط النفسي والذهني عليها، إلا أنها استمرت في تحقيق نتائج دراسية متقدمة.
فقدان الأب «الحرج الذي لا يندمل»
توفي والد «نانيس» وهي في الصف الثاني الابتدائي، لم تكن تتجاوز السبع سنوات حينها، حدثًا هز وجدانها، فهي الطفلة القريبة والمفضلة لوالدها، شكّلت وفاته نقطة تحول عميقة في حياتها، وتركت بداخلها جرحًا لا يندمل.
بعد وفاة الأب؛ انتقلت والدتها إلى سكن مؤقت، بالقرب من المدرسة التي تنتمي إليها الابنة، لتسهيل تحركاتها اليومية وضمان استمرار تفوقها دون عوائق لوجستية، من الممكن أن تعرقل نظامها اليومي المنضبط، وترهقها جسديًا.
سنوات الدراسة: نبوغ لافت وضغط متواصل
في المرحلة الثانوية، واصلت «نانيس» مسيرتها الأكاديمية في شعبة علمي علوم، ليأهلها لدراسة الطب، وبرزت كأحد النماذج المتفوقة الواعية بشكل لافت، بدأت هذه المرحلة بالانتقال – وفق رغبتها- مع صديقاتها إلى مدرسة أقل نسبيًا من حيث الإمكانات والمستوى التعليمي، لكنها استطاعت أن احتفظت بمستواها المرتفع.
الطالبة النابغة الواعية
كانت «نانيس» المنتقلة لتوها من مدارس ذات مستوى تعليمي رفيع وثقافة عالية، تصحح أحيانًا نطق معلميها للمصطلحات الإنجليزية، بل كان مدرس الكيمياء يصفها بـ«النابغة»، في تعبير يعكس حجم التميز الذي كانت تتمتع به مقارنة بأقرانها، إلى حد أنه كان يتمنى أن تكون ابنته في مستواها العلمي والذهني.
اختبارات الثانوية العامة ولحظة الانهيار
مع اقتراب امتحانات الثانوية العامة، تصاعد التوتر بشكل حاد، فهي لا تعتاد الفشل، أضافة إلى ما يُصدر عبر أجيال متعاقبة إلى البيوت المصرية عن ما يعرف بـ«شبح الثانوية العامة»، وحكايات تروى سنويًا عن ضحاياها.
بدأت اختبارات الثانوية العامة، في شهر يونيو كما جرت العادة، اجتازت اختبار اللغة العربية بسلام لا يخلو من القلق، ولكن حدث ما لم يتوقعه أحد أثناء أداء امتحان اللغة الإنجليزية.
تعرضت «نانيس» داخل لجنة امتحان اللغة الإنجليزية، لنوبة بكاء وصراخ عنيفة ومستمرة فقدت على إثرها السيطرة على أعصابها وجزء من وعيها، تعاطف معها الجميع سواء زملائها أو المراقبين ومسئولي اللجان، الذين قرروا نقلها عبر سيارة إسعاف إلى المستشفى.
بعد الانتقال إلى المستشفى شخصها الطبيب، بأنها تعرضت لانهيار عصبي نتيجة التوتر والقلق الحاد، إضافة إلى إصابتها بالعصب السابع، وهو ما أضاف بُعدًا صحيًا معقدًا إلى أزمتها النفسية.
الإصرار على استكمال النجاح عبر مسار مختلف
أصرت «نانيس» على استكمال بقية الامتحانات في ظل ظروف صحية ونفسية قاسية، لأنها لم تسمح للإحباط أن يقودها أو يسيطر عليها يومًا ما، وبعد أسابيع جاءت النتيجة الثانوية العامة، وحصلت على 86%، نسبة أقل بكثير من مستواها الدراسي.
تبدد مع ظهور النتيجة حلم الالتحاق بإحدى كليات الطب، تلك اللحظة التي وصفتها «نانيس» بأنها من أكثر اللحظات قسوة في حياتها، حينما واجهت شعورًا بفقدان الحلم الذي كان يبدو قريبًا.
حلم الطب والقرار الصعب
عرضت والدتها – الداعمة الأولى لها- السفر إلى إحدى الجامعات الروسية لدراسة الطب، لكنها ورفضت؛ وفضلت عدم الاستمرار في مسار لم يعد يعكس حالتها النفسية أو طموحها في تلك المرحلة.
بداية جديدة في دراسة الإعلام
اختارت «نانيس» الالتحاق بالجامعة الكندية في مصر لدراسة الإعلام باللغة الإنجليزية، تخصص الإذاعة والتليفزيون، في محاولة لإعادة بناء مسار أكاديمي جديد، بعيدًا عن ضغط التخصصات الطبية.
تقول «نانيس» :«رغم تغيير المسار والهدف ، بقي الإصرار والتفوق عنوانًا أساسيًا لتجربتي الجامعية، باعتباره أحد الوسائل الرئيسية لإثبات الذات واستعادة الثقة».
منحة دراسية في كندا والعودة إلى التميز
تمكنت «نانيس» لاحقًا من تحقيق إنجاز مهم، أعاد رسم مستقبلها الأكاديمي من جديد، حيث حصلت على منحة دراسية في كندا لدراسة العلاقات الدولية، تلك المنحة التي فتحت أمامها أفقًا مختلفًا أكثر اتساعًا وحرية.
قصة «نانيس» ملهمة -رغم قسوتها- وبها رسائل أهمها: أن التجارب لا تُقاس بما وصلت إليه من نتائج، بل بما قاومته في طريقها، وبما أعادت بناءه بعد الانكسار، فمثل هذه التجارب تُثبت أن التعثر لا يعني النهاية، وأن الطريق حين يُغلق من جهة، يمكن أن ينفتح من جهات أخرى أكثر اتساعًا وثباتًا.
الرحلة تستحق أن تعاش حتى النهاية
لم تكن رحلة «نانيس» سهلة، لكنها كشفت عن قدرة الإنسان على النهوض من اللحظات القاسية متى أراد، وأن الحلم لم يُلغ، بل ربما تتبدل هيئته وصوره، ويتجه نحو مسار جديد أكثر نضجًا واتزانًا، وأن الرحلة تستحق أن تُعاش حتى النهاية.