ناقش كتاب “رموز مصرية” عبق التاريخ المصري، الذي يرجع إلى عمق التجربة المصرية في البناء الفلسفي والديني والمعرفي، وإلى الإنسان الذي صاغ الفلسفة، وبحث عن الدين، وأدرك المعرفة فقد كان هناك صناع للتاريخ يمثلون حجر الزاوية في الحضارة المصرية، بما اتصفوا به من مواهب متفردة عن باقي البشر، مكنتهم من المزج بين المعرفة الآنية واحتياجات البشر المستقبلية، وهي قدرات لا تتوافر لدى غيرهم.
ولما كان المجتمع المصري مليئًا بالعديد من هذه الرموز البشرية الفريدة، التي قدمت عطاءً إنسانيًا وعلميًا مهّد الطريق للأجيال التالية، فقد استطاعوا تجاوز الظروف السياسية والاجتماعية التي واجهتهم، حيث تميزت هذه النخبة بامتلاكها حبًا لهذه الأرض الطيبة، وعشقًا للابتكار والإبداع، وأدوات العصر، فجاءت إنجازاتهم ذات عمق يثير الإعجاب والفخر، ومثالًا مشرفًا للعطاء الإنساني.
وناقش الدكتور محمد عيد عبد المجيد، مدير مركز تسويق التكنولوجيا الأسبق بمركز البحوث الزراعية، ومعه الكاتب الصحفي محمد عبد المنصف، قدرة ستة من علماء مصر الذين أقاموا داخل وطنهم ورفضوا الإغراءات التي قدمت لهم لمغادرته، وذلك بعد حصولهم على درجات الدكتوراه من الداخل أو الخارج، حيث أسسوا مدارس علمية استفاد منها المجتمع بشكل مباشر، وكان لها أثر إيجابي ملموس.
ويأمل مؤلفا الكتاب في استكمال هذه الموسوعة لتشمل كافة الدول العربية.
وتصدرت هؤلاء العلماء الدكتورة عقيلة صالح، التي نجحت في استصدار قانون خاص من مجلس النواب لإنشاء وإدارة المعمل المركزي للأغذية والأعلاف، لتحليل الواردات من القمح والذرة وغيرها من الحبوب، والتأكد من خلوها من الأمراض الضارة بالإنسان أو الحيوان، بعيدًا عن الروتين الحكومي.
ومن بعدها جاء الدكتور محمد البلال، خبير الأرز الأول في العالم، الذي عاد إلى مصر عام 1971 بعد حصوله على درجة الدكتوراه من اليابان، ليجد أن إنتاجية الفدان لا تتجاوز طنين سنويًا، فوضع خطة قومية لمضاعفة الإنتاجية لتصل إلى أكثر من 4 أطنان قبل وفاته، ثم نجح أحد تلاميذه، الدكتور حمدي موافي، في الوصول بهذه الإنتاجية إلى 6 أطنان.
والدكتور سيد سلامة، مؤسس معهد المصل واللقاح بالعباسية، الذي أشرف على إنتاج الأمصال واللقاحات اللازمة لعلاج الماشية من الأمراض المختلفة، وكانت صادرات المعمل في عهده تصل إلى اثنتي عشرة دولة، من بينها المملكة المتحدة كما قام المعهد بدور كبير بعد وفاته في إنقاذ مصر من الحمى القلاعية التي ضربت البلاد عام 2012، وكادت أن تقضي على الثروة الحيوانية، خاصة الأبقار.
والدكتور أحمد داوود، الذي كان الذراع اليمنى للدكتور سلامة، وتولى رئاسة المعهد بعد وفاته، حيث أسس المعمل المرجعي لتقييم الأمصال واللقاحات التي ينتجها المعمل، للتأكد من جودتها ومطابقتها للمواصفات القياسية، وكان سببًا في إعلان المنظمة العالمية لصحة الحيوان خلو مصر من مرضي الطاعون البقري وطاعون الخيل.
والدكتور طه الشرقاوي، أحد مؤسسي إدارة الحجر الزراعي بوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، والذي شارك في وضع قوانين منظمة الأغذية والزراعة “الفاو” الخاصة بالحجر الزراعي عالميًا، كما أرّس القواعد المنظمة للعمل بالحجر الزراعي في كافة موانئ ومطارات مصر.
والدكتور محمد عيد عبد المجيد، الذي حصل على أربع براءات اختراع مسجلة في الولايات المتحدة الأمريكية، كما كان نائبًا لرئيس جامعة مونتانا قبل أن يفضل العودة لخدمة وطنه، ليشارك في تأسيس جامعة النيل، ويعمل نائبًا لرئيس الهيئة العامة للاستشعار عن بُعد، وكان له دور في وضع رؤية تصنيع أول قمر صناعي مصري بسواعد مصرية، كما شارك في وضع قوانين البيئة في الدول العربية.
جاء الكتاب ليؤكد لشبابنا أن النجاح يعتمد على إرادة الفرد نفسه، وأن السفر للخارج ليس شرطًا لتحقيق النجاح. فلا بأس أن يجوب الإنسان مختلف بقاع الأرض، لينهل من العلم ما يشاء، دون أن ينسى للحظة أن مصر قادرة على تحقيق الإنجازات بسواعد أبنائها.
لدينا الكثير والكثير من النماذج التي قدمت لمصر والعالم العربي مشروعات عملاقة، وهم يعيشون بيننا وشبابنا قادر، بفضل الله، على إعادة أمجاد العرب حين كانت بلادهم قبلة للعلم من مختلف أنحاء العالم، وكانت إجادة اللغة العربية بوابة للنفاذ إلى بلاد العلم والعلماء.
فشباب اليوم ليسوا أقل قيمة أو مكانة من هؤلاء العظماء، فالإرادة تصنع المستحيل لمن يسعى ويؤمن بقدرته على النجاح.