بقلم- محمد الغريب
هل تسائلت يومًا ماهي أخر مرة قبلت فيها يد والديك؟ سؤال قد يكون جوابه بديهيًا لكن وسط ما نراه من صور العقوق التي انتشرت مؤخرًا، والتي تجاوزت القول بأفٍ إلى مستويات أكثر وضاعة من التعدي لفظيًا وجسديًا وفي أبشع الصور أصبح قتلهما نهجًا لبعض المنحرفين أخلاقيًا لم يعد مقبولًا، فلا يمكن أن يتصور عاقل تخطي الأبناء حدودهما تجاه من هم سر الحياة ومأمنها مثلما نشهد اليوم.
جاء القرآن الكريم في سبع مواضع للحث على بر الوالدين، فهل تعرف لماذا عليك أن تبرهما؟، لعل في التوجيه القرآني بالإحسان إلى الوالدين ما يمكن التذكير به في هذا المقام عله يكون تذكرة للغافلين ورادعًا للمتطاولين.
البر للوالدين هو الإحسان إليهما كأعلى مرتبة لرد الجميل والعرفان به؛ وكان هذا البر أو الإحسان قرينًا للتوحيد في كثير من مواضع الذكر الشريف يقول جل وعلا: "وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِیَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَیۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ.
وقد جاء في مقابله النهي عن عقوقهما بأدنى درجات الاستهانة بالكلمة أو الفعل فقال سبحانه: "إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا" (الإسراء: 23)، فالبر بالوالدين هو المبالغة في الإحسان إليهما والتقرب إلى الله تعالى بطاعتهما.
ولعل في تكريم الإسلام للوالدين ما يعرفك قدرهما إن كانت غافلًا أو يدعمك في الاستمرار إن كنت طائعًا، فلا تتصور أن يكون التوجيه الشريف بالبر حتى بعد وفاتهما أقل من الأمر في حياتهما حيث سئل النبي ﷺ عن حق الوالدين بعد وفاتهما فقال له سائل: يا رسول الله! هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما بعد وفاتهما؟ قال: نعم، الصلاة عليهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما.
ويمكن أن نفهم أعظم صور البر والطاعة للوالدين ما جسده بر نبي الله إسماعيل -عليه السلام- لأبيه إبراهيم -عليه السلام- حينما أخبره برؤيته أنه يذبحه، قال تعالى: "فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين" (الصافات: 102).
ولك أيضًا ما جاء في أخلاق نبي الله يحيى -عليه السلام-: "وبراً بوالديه ولم يكن جباراً عصيّا" (مريم: 14)، وما ذكره عيسى -عليه السلام- عن أخلاقه: "وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا" .
ومما يساعدك على البر للوالدين أن تكون حريصًا على طاعتهما واحترامهما وتوقيرهما، والدعاء لهما، وخفض الصوت عندهما، والبشاشة في وجوههما، وخفض الجناح لهما، وترك التأفف والتضجر عندهما، والسعي في خدمتهما، وتحقيق رغباتهما، ومشاورتهما، والإصغاء إلى حديثهما، وترك المعاندة لهما، وإكرام صديقهما في حياتهما وبعد موتهما.
وختامًا.. كن حريصًا على أن تدرك فضل دعاء والديك لك، فأنت في نعمة ما داما يدعوان لك، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ)، واعلم أن ما تفعله بهما سيرد إما لك أو عليك فـ"كما تدين تدان"، أو كما يقال: "برك لوالديك اليوم.. هو الجنة اللي بتزرعها لبكرة".