كتب – أحمد أبوالمحاسن
يقضي الإنسان سنوات عمره يبحث عن المال، ويسعى إلى تحقيق النجاح، ويبني بيتًا، ويؤسس أسرة، ويجمع ما يستطيع من متاع الدنيا، معتقدًا أن هذه الأشياء هي الضمان الحقيقي لحياة مستقرة وسعيدة، لكن القرآن الكريم يضع أمامنا حقيقة تستحق التأمل في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ـ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.
هذه الآية لا تدعو إلى ترك العمل أو الزهد في المال، فالمال نعمة، والأبناء زينة الحياة الدنيا، لكنها تذكر الإنسان بأن قيمته الحقيقية لا تقاس بما يملك، وإنما بما يقدمه من خير، وما يحمله قلبه من صدق ورحمة وإخلاص، فالآية الكريمة لاتدعوا إلى التواكل بقدر ما تدعوا إلى الحرص والتوعية.
فكم من شخص امتلك ثروة طائلة، لكنه خسر االكثير من الاحترام والتقدير، وكم من إنسان لم يكن يملك الكثير، لكنه ترك أثرًا طيبًا في كل من عرفه، فبقي اسمه حاضرًا بعد رحيله، وفي النهاية، لا يصاحب الإنسان إلى قبره إلا عمله.
الانشغال الدائم بجمع المال قد يدفع البعض إلى إهمال الأسرة، أو التفريط في المبادئ، أو ظلم الآخرين، وكأن النجاح يقاس بحجم الرصيد البنكي فقط، بينما النجاح الحقيقي هو أن يحقق الإنسان التوازن، فيعمل ويكسب من الحلال، ويربي أبناءه على القيم، ويترك وراءه سيرة حسنة.
والأبناء أيضًا ليسوا مجرد امتداد للعائلة أو مصدر للفخر، بل مسؤولية وأمانة، فالتربية الصالحة، وغرس الأخلاق، وتعليمهم احترام الناس، هي الثروة التي تبقى آثارها حتى بعد رحيل الإنسان.
كما تدعونا هذه الآية إلى مراجعة أولوياتنا، فكم من وقت نهدره في أمور زائلة، بينما نهمل كلمة طيبة، أو صلة رحم، أو مساعدة محتاج، أو إصلاح خلاف، وهي أعمال قد تكون أثقل في الميزان من أموال كثيرة.
ولعل أجمل ما نتعلمه من هذه الرسالة أن القلب السليم هو أساس النجاة، قلب لا يحمل حقدًا، ولا يعرف الغش، ولا يعتاد الظلم، بل يمتلئ بالإخلاص، وحب الخير، والرحمة بالناس، لأن صلاح القلب ينعكس على كل تصرفات الإنسان.
إن الحياة قصيرة، وكل ما فيها إلى زوال، لكن الأخلاق الطيبة، والعمل الصالح، والأثر الحسن، هي الباقية. لذلك، لا تجعل المال غايتك، ولا تجعل المناصب تشغلك عن إنسانيتك، واجعل لكل يوم نصيبًا من الخير، فربما تكون كلمة صادقة، أو مساعدة لمحتاج، أو دعوة من قلب مخلص، خيرًا لك من كنوز الدنيا كلها.
ففي ذلك اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون، لن يبقى مع الإنسان إلا ما قدمه من عمل صالح، وما تركه من أثر طيب، وما حمله في قلبه من إيمان وأخلاق ورحمة، لذا فلنجعل نجاحنا في الدنيا وسيلة لبناء آخرتنا، لا غاية تنسينا ما هو أبقى وأعظم.