كتبت :أميرة الحسيني
إن الحضارة المادية الحديثة.. والتي تتمثل في صناعة التروس، والأسمنت، والصلب، والشركات العابرة للقارات، تلك التي تقيس نجاحها بمؤشرات الأسهم، وأرقام الأرباح، وعدد المصانع التي تلامس السماء، ليست هي الأمان للبلاد .
أريد منك أن تقف متأملًا لتجيب عن سؤالًا بسيطًا ، ما قيمة المصنع الفاخر إذا كان يديره إنسان خاوٍ؟
ما قيمة الآلة الذكية إذا كان من يضغط على أزرارها مسخ مشوه النفس، متدني الأخلاق، فاقد للضمير؟
إننا نعيش في وهم كبير حين نظن أن "الاستثمار" كلمة لا تُقال إلا في أروقة البنوك وبورصات المال، رغم إن الاستثمار الحقيقي، والاستثمار الأوحد الذي يستحق أن تبذل فيه الأمم عرقها، يبدأ هنا.. من داخل هذا الكائن الإنساني العجيب، ولأن بناء الإنسان يسبق بناء المشروعات، بل إن المشروعات ليست سوى تجسيد مادي لما يدور في عقل الإنسان وقلبه.
الإنسان الذي يبنى بالعلمٌ والمهارةٌ والأخلاق يعتبر هو عماد الدولة وأمانها الحقيقي لذا كان لابد لنا من معمار دقيق يعتمد على ثلاثة أعمدة لا يستقيم البناء بدونها:
العلم (نور العقل): ليس العلم حشو الرؤوس بنصوص صماء لتبصم بها في ورقة الامتحان، بل العلم هو "الوعي"، هو القدرة على السؤال، والتأمل في الكون، وفهم القوانين الدقيقة التي أودعها الخالق في الطبيعة، العلم هو البوصلة التي تحمي الإنسان من الجهل والخرافة.
المهارة (قوة اليد): العلم بلا مهارة هو علم مُقعد، فكرة حبيسة الوجدان لا تجد لها طريقًا على الأرض، المهارة هي التي تُحول الفكرة الروحية والتجريد العقلي إلى واقع ملموس.. هي إتقان الصنعة، والقدرة على مواكبة العصر والتطور.
الأخلاق (حارس الروح): وهنا يكمن السر الحقيقي. العلم والمهارة بلا أخلاق هما دمار شامل.
ألم تصنع الحضارة المادية القنبلة الذرية بقمة العلم والمهارة؟ لكنها حين خلت من الأخلاق أحرقت هيروشيما في لمح البصر، الأخلاق هي الضمير، هي "الأمانة" التي أبت السموات والأرض أن يحملنها وحملها الإنسان.
"لو أنك جئت بأحدث ماكينة في العالم، ووضعت خلفها عاملًا مرتشيًا، أو مهندسًا لاهيًا، أو مديرًا فاسدًا.. لتحولت هذه الماكينة العبقرية إلى كومة من الخردة في شهور قليلة، الروح هي التي تحرك المادة، وليست المادة هي التي تصنع الروح."
حتمية البداية
إن الذي يبني المصانع قبل أن يبني الرجال، كمن يشتري سريرًا فاخرًا لمريض يئن من الحمى؛ السرير لن يشفي المرض! المشكلة ليست في نقص "المشروعات"، بل في نقص "الإنسان" المؤهل لإدارتها بروح المسؤولية.
ففي ملكوت الله.. كيف بدأ الخالق رسالته للكون؟ لم يقل "ابنوا مصانع" أو "شيدوا قصورًا"، بل كانت الكلمة الأولى هي: "اقرأ".
اقرأ.. لأن القراءة هي بناء الوعي، وبناء الوعي هو البداية الحتمية لبناء الإنسان.
قبل أن تقيموا الجدران !
شارك هذا المنشور
اخبار متعلقة
بتدور علي شغل.. إسمعنى للأخر !!!
أغسطس 17, 2026
ملخص كتاب «السماح بالرحيل» للكاتب ديفيد هاوكينز
أغسطس 8, 2026