لا تتحرك عجلة الاقتصاد فقط بقرارات الحكومات أو توسعات الشركات والاستثمارات الجديدة والمصانع، فهناك جانب آخر يبدأ من تفاصيل تبدو بسيطة داخل حياة الأفراد اليومية في كل منزل، مثل قرار شراء سلعة، طريقة إدارة المصروفات، اختيار الادخار بدل الإنفاق الكامل، أو الاستثمار في تطوير المهارات.
ومع تغير أنماط الحياة وارتفاع أهمية التخطيط المالي، أصبح امتلاك دخل مرتفع وحده لا يكفي لضمان الاستقرار المالي، وأصبح للعادات اليومية وطريقة التعامل مع الأموال دورًا رئيسيًا في تحديد قدرة الفرد على مواجهة الأزمات وبناء مستقبل مالي أكثر استقرارًا.
وبحسب الخبراء، يبدأ التحول المالي من قرارات صغيرة مثل معرفة أين يذهب الدخل، تقليل المصروفات غير الضرورية، تخصيص جزء ثابت للادخار، أو اكتساب مهارة جديدة ترفع القدرة على تحقيق دخل أكبر، وهي ممارسات فردية تتحول مع الوقت إلى تأثير اقتصادي أوسع عندما تتكرر لدى ملايين الأشخاص.
الثقافة المالية.. أكثر من مجرد معرفة المصطلحات
وأكد تقرير نشرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن الثقافة المالية لا ترتبط فقط بفهم المفاهيم الاقتصادية، لكنها تشمل مجموعة من المعارف والمهارات والسلوكيات التي تساعد الأفراد على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا، مثل التخطيط للمستقبل، وإدارة الدخل، والادخار، والتعامل مع المخاطر، وامتلاك الفرد للوعي المالي يساعده على الانتقال من التعامل مع المال كوسيلة للإنفاق، إلى أداة للتخطيط وتحقيق أهداف طويلة الأجل.
كما أشار البنك الدولي إلى أن إتاحة الخدمات المالية، مثل الحسابات البنكية وأدوات الادخار ووسائل الدفع الرقمية، تعد من العوامل التي تدعم النمو الاقتصادي، لأنها تساعد على دمج شرائح أكبر من المجتمع داخل المنظومة المالية الرسمية وتقلل من تعرض الأفراد للصدمات المالية.
من إدارة المصروفات إلى بناء قوة مالية
وفيما يتعلق بالاقتصاد السلوكي، يرى خبراء في المجال، أن الوضع المالي لأي شخص لا يتحدد فقط بحجم دخله، وإنما بالطريقة التي بنفق بها، يمكن لشخصين يحصلان على نفس الراتب أن يحققا نتائج مختلفة تمامًا بسبب اختلاف القرارات والعادات المالية.
ووفقًا لما ورد في كتاب "The Psychology of Money" لمورجان هاوسل، فإن فكرة النجاح المالي يرتبط بدرجة كبيرة بسلوك كل فرد ومدى انضباطه، والقدرة على اتخاذ قرارات طويلة الأجل، وليس فقط بمقدار الأموال التي يحصل عليها.
الشمول المالي.. عندما يدخل المواطن دائرة الاقتصاد الرسمي
في مصر، شهد ملف الشمول المالي توسعًا ملحوظًا خلال السنوات الماضية، مع زيادة اعتماد المواطنين على الخدمات المالية الرسمية، سواء عبر الحسابات البنكية أو المحافظ الإلكترونية أو وسائل الدفع الحديثة.
وارتفع معدل الشمول المالي إلى 77.6% بنهاية عام 2025، ليصل عدد المواطنين الذين يمتلكون حسابات مالية نشطة إلى 54.7 مليون مواطن من إجمالي 70.5 مليون مواطن فوق سن 15 عامًا، بحسب بيانات البنك المركزي المصري،
و أوضح البنك، أن هذه الحسابات تشمل الحسابات البنكية، وحسابات البريد، ومحافظ الهاتف المحمول، والبطاقات المدفوعة مقدمًا، مشيرًا إلى أن معدل النمو في الشمول المالي بلغ 219% خلال الفترة من 2016 حتى 2025.
العادات الاستهلاكية.. بين الحاجة والرغبة
يرتبط الاقتصاد الشخصي بالقرارات التي يتخذها عند إنفاقها، وليس فقط بحجم الأموال التي يمتلكها الفرد، وأشار مفهوم الاقتصاد السلوكي إلى أن الإنسان لا يتخذ قرارات الشراء دائمًا وفق الحسابات العقلانية فقط، ولكن اختياراته تتأثر بعوامل مثل العروض، والإعلانات، وتأثير المحيط الاجتماعي، والرغبة في الشراء الفوري.
وقد يبدو الفرق بين شراء مدروس وقرار إنفاق عشوائي بسيطًا على مستوى شخص واحد، لكنه يصبح أكثر وضوحًا عند النظر إلى ملايين المستهلكين، حيث تتحول هذه القرارات إلى اتجاهات تؤثر في حركة الأسواق، ولا تهدف الثقافة المالية إلى تقليل الاستهلاك، وإنما إلى جعل قرارات الإنفاق أكثر وعيًا، بحيث يحصل الفرد على قيمة حقيقية مقابل ما ينفقه.
الاستثمار في الإنسان.. أصل مالي لا يقل أهمية عن المال
لا تقتصر القوة المالية على الأموال التي يمتلكها الفرد في الوقت الحالي، فالمعرفة والمهارات أصبحت من أهم الأصول التي يمكن أن تزيد قدرة الشخص على تحسين دخله مستقبلًا، فالتعلم المستمر، وتطوير القدرات المهنية، واكتساب مهارات جديدة، أصبحت استثمارات طويلة الأجل تساعد الأفراد على مواكبة تغيرات سوق العمل وزيادة فرصهم الاقتصادية.
فيمكن القول أن الاقتصاد لا يبدأ فقط من المؤشرات الكبرى والأرقام الرسمية، لكنه يبدأ أيضًا من ملايين القرارات الصغيرة التي يتخذها الأفراد كل يوم، كيف ينفقون، وكيف يدخرون، وكيف يخططون للمستقبل، ويبدو قرارًا شخصيًا داخل منزل واحد، قد يتحول مع تكراره على نطاق واسع إلى قوة تؤثر في الاقتصاد بأكمله.