رحلة البحث عن الذات.. كيف تستثمر أعظم أصولك؟

كريم فؤاد

لا يولد الإنسان وهو يحمل بطاقة تعريف تخبره بما يستطيع أن يبدع فيه ولا توجد لحظة سحرية يكتشف فيها الجميع مواهبهم دفعة واحدة الحقيقة أن القدرات تشبه المعادن النفيسة المدفونة في الأرض وجودها لا يعني الاستفادة منها بل يحتاج إلى من يبحث وينقب ويجرب حتى يصل إليها.

المشكلة أن كثيرا من الناس يقضون سنوات طويلة في محاولة تقليد الآخرين فيظنون أن النجاح يعني السير في الطريق نفسه الذي سلكه غيرهم بينما يبدأ الاكتشاف الحقيقي عندما يتوقف الإنسان عن سؤال نفسه: «في ماذا نجح الآخرون؟» ويبدأ بسؤال مختلف تماما: «ما الشيء الذي يجعلني أنسى الوقت وأنا أفعله؟» ففي هذا السؤال تكمن أولى إشارات القدرة الكامنة.

القدرات لا تظهر في أوقات الراحة وإنما تتكشف غالبا تحت الضغط أو أثناء مواجهة تحد جديد هناك من يكتشف أنه يجيد القيادة عندما يتحمل مسؤولية فريق لأول مرة وآخر يكتشف موهبته في الإقناع أثناء موقف عابر وثالث يدرك قدرته على الابتكار بعدما يضطر لحل مشكلة لم يجد لها حلا جاهزا لذلك فإن الهروب من التجارب الجديدة قد يكون هروبا من اكتشاف الذات.

ومن الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن الموهبة وحدها تكفي. فالقدرة التي لا تمارس تضعف تماما كما تضعف العضلات التي لا تتحرك. الاستثمار الحقيقي يبدأ عندما تتحول القدرة إلى عادة يومية ولو لوقت قصير القراءة المنتظمة والتدريب المستمر التعلم من الأخطاء كلها أدوات تجعل الموهبة تنمو حتى تصبح مهارة يصعب منافستها.

ومن زاوية استثمارية فإن الإنسان هو أول مشروع ينبغي أن يستثمر فيه وقبل التفكير في استثمار المال يجب استثمار الوقت والجهد في تطوير القدرات الشخصية وكل ساعة يقضيها الإنسان في تعلم مهارة جديدة أو تحسين مهارة يمتلكها هي استثمار طويل الأجل يرفع من قيمته المهنية والإنسانية وفي عالم سريع التغير أصبحت المهارات هي العملة التي لا تفقد قيمتها بسهولة.

زالاستثمار في القدرات لا يعني التركيز على نقاط القوة فقط بل يتطلب أيضا معرفة نقاط الضعف فالإنسان الواعي لا يخجل من الاعتراف بما لا يجيده بل يعتبر ذلك دليلا يساعده على اختيار الطريق المناسب أو البحث عن شريك يكمل ما ينقصه وليس المطلوب أن يكون الإنسان ممتازا في كل شيء وإنما أن يعرف أين يحقق أفضل أداء.

ومن الوسائل المهمة لاكتشاف القدرات تدوين التجارب والإنجازات الصغيرة وكثير من النجاحات الكبيرة بدأت بمواقف بسيطة لم ينتبه أصحابها إلى أهميتها وعندما يراجع الإنسان ما أنجزه خلال سنوات سيجد خيطا مشتركا يكشف المجال الذي يتكرر فيه تميزه حتى لو لم يكن قد لاحظه من قبل.

كما أن البيئة المحيطة تلعب دورا كبيرا في هذا الاكتشاف والوجود بين أشخاص يشجعون على التعلم والتجربة يمنح الإنسان شجاعة أكبر لخوض تحديات جديدة بينما تؤدي البيئة المحبطة إلى دفن كثير من الطاقات قبل أن ترى النور لذلك فإن اختيار الأشخاص الذين يحيطون بنا ليس رفاهية بل جزء من رحلة بناء الذات.

ولا تقاس قيمة الإنسان بما يمتلكه اليوم بل بما يستطيع أن يطوره في نفسه غدا القدرات ليست هبة ثابتة وإنما بذور تحتاج إلى رعاية وصبر واستمرار. وكلما استثمر الإنسان في نفسه بوعي تحولت إمكاناته من مجرد احتمالات إلى إنجازات حقيقية وأصبح نجاحه نتيجة طبيعية لرحلة بدأها بسؤال بسيط لكنه غيّر حياته: ماذا أستطيع أن أكون إذا منحت نفسي الفرصة؟.

شارك هذا المنشور