في جلسات الأصدقاء وعلى موائد الأسر وحتى في أحاديث مواقع التواصل الاجتماعي يتكرر السؤال نفسه: "كيف كان المرتب يكفينا أكثر في الماضي رغم أنه كان أقل؟" ورغم اختلاف الدخول من شخص لآخر فإن هذا الشعور أصبح مشتركًا بين كثيرين.
السبب الرئيسي وراء ذلك يرتبط بما يعرف اقتصاديًا بـ"التضخم" وهو ببساطة ارتفاع أسعار السلع والخدمات مع مرور الوقت فعندما ترتفع الأسعار بمعدل أسرع من زيادة الدخل تتراجع القدرة الشرائية للأفراد أي أن المبلغ نفسه يشتري كمية أقل من الاحتياجات مقارنة بما كان يشتريه في السابق.
ولفهم الأمر بصورة أبسط لنفترض أن أسرة كانت تنفق جزءًا محددًا من دخلها على الغذاء والمواصلات والخدمات الأساسية قبل عدة سنوات ومع زيادة الأسعار المتتالية أصبحت هذه البنود تستهلك نسبة أكبر من الدخل ما يترك مساحة أقل للادخار أو للإنفاق على احتياجات أخرى.
كما أن نمط الحياة نفسه تغير خلال السنوات الأخيرة فالكثير من الخدمات التي كانت تعتبر رفاهية أصبحت اليوم جزءًا من الإنفاق الشهري المعتاد مثل الإنترنت عالي السرعة والاشتراكات الرقمية وخدمات التوصيل وغيرها وبالتالي لم تعد المقارنة مرتبطة بالأسعار فقط بل أيضًا بتغير طبيعة الاستهلاك.
ومن المهم الإشارة إلى أن الشعور بضغط المصروفات لا يعني بالضرورة تراجع مستوى الدخل بل قد يكون نتيجة مباشرة لارتفاع تكاليف المعيشة بوتيرة أسرع لذلك يلجأ كثير من الأسر إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق والتركيز على الاحتياجات الأساسية بشكل أكبر من السابق.
في النهاية يبقى الاقتصاد حاضرًا في تفاصيل حياتنا اليومية أكثر مما نتخيل فعندما نشعر أن المرتب ينتهي قبل نهاية الشهر فإن الأمر لا يتعلق بالأرقام وحدها بل بعلاقة مستمرة بين الدخل والأسعار وأنماط الاستهلاك وكلما فهمنا هذه العلاقة بشكل أفضل أصبح من الأسهل اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا وتنظيمًا.