حين تُغلق الأبواب.. يبدأ اليقين

اليقين بالله هو الذي يُحقق المُستحيل، اليقين بالله هو أن تكون كل الأبواب مُغلقة وكل الظروف صعبة وكل المؤشِّرات توحي بعكس ما تتمناه، لكنك على يقين بأنَّ الله سيُصلح كل شيء وسيتكفَّل بكل شيء، يقول ابن القيم متحدثًا عن اليقين بالله: “لو أنَّ أحدكم همَّ بإزالة جبل وهو واثق بالله لأزاله”، فثق بالله، وثق بتدابيره، واجعل يقينك بالله هو سر الرضا بكل شيء يحدث لك، اليقين بالله هو أن يكون قلبك مطمئنًا وساكنًا بأن الله سيتجيب لك كل ما تُريده، واليقين هو الإيمان الجازم الذي لا يُخالطه شك، وما يُثبت العبد في المِحن، ويشعر أنَّ تدبير الله فوق كل شيء، وهو أعظم زادٍ يسير به المؤمن إلى ربه.

ثمرات اليقين وآثاره:
لليقين آثار مُباركة وثمرات جليلة تُصلح حال العبد في دنياه وتُؤمِّن معاده، ومن هذه الثمرات:

1- حياة القلب وطمأنينته ونشاطه:
يُعدُّ اليقين المُحرِّك الأساسي لحياة القلوب؛ فهو يطرد الشكوك، والريب، والسخط، ويملأ الفؤاد نورًا، ومحبةً، وخوفًا، ورجاءً، ورضا بالأقدار، كما أنه يُقوي العبادات القلبية كالتوكل والإنابة، شريطة أن يقوم على علم صحيح يثمر إخلاصًا واتباعًا.
وتأمَّل حال خليل الرحمن إمام الموحدين إبراهيم عليه السلام عندما سأل ربه قائلًا كما أخبر الله تعالى عنه: “رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي” (البقرة: 260) فإبراهيم عليه السلام بسؤاله هذا “أحب أن يترقى من علم اليقين بذلك إلى عين اليقين وأن يرى ذلك مشاهدة”، فقال الله تعالى له: “أَوَلَمْ تُؤْمِنْ” فأجاب إبراهيم عليه السلام بقوله: “بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي”، فرضي الله من إبراهيم قوله: “بَلَى” وعلم سبحانه من حال هذا الرسول الكريم أنه يُريد زيادة الاطمئنان واليقين، وإزالة ما قد يعترض في النفوس ويوسوس به الشيطان.
2- نيل الإمامة في الدين وقوة التوكُّل:
باليقين مع الصبر تُنال قيادة الدين وهداية الخلق، مصداقًا لقوله تعالى: «وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ»، وهو ما أكَّده ابن تيمية ونقله ابن القيم، كما أن قوة اليقين تثمر قوة التوكل، لقوله تعالى: «فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ»، والحق هنا هو اليقين.

3- الثبات عند السؤال ودخول الجنَّة:
أمن القبر: اليقين سبب للتوفيق في الإجابة حين يفتن العبد في قبره؛ فالموقن يجيب بثبات: “هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا واتبعنا”، فيقال له: “نم صالحًا قد علمنا إن كنت لموقنًا به”، بخلاف المرتاب والمنافق.
بشارة الجنَّة: بشَّر النبي ﷺ مَن استيقن قلبه بالشهادة بالجنَّة في حديثه لأبي هريرة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة: «مَن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة» (أخرجه مسلم)، وكذلك جاء في سيد الاستغفار قوله صلى الله عليه وسلم: «مَن قالها من النهار موقنًا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومَن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة» (أخرجه البخاري).

4- الإعانة على الطاعات ومقاومة الشهوات
اليقين يحمي القلب من الشبهات والشهوات، ويسهل عليه الصعاب؛ فمتى استيقن العبد عظمة الجزاء هانت عليه مشقة العبادات، وزالت وحشته الفطرية، قال الحسن البصري: “ما طلبت الجنَّة، ولا هرب من النَّار، ولا صبر على الحق إلا باليقين”.
وقال سفيان الثوري: “لو وقع اليقين في القلب كما ينبغي لطارت القلوب اشتياقًا إلى الجنة وخوفًا من النار”.
وأخيرًا نقول: القلب الممتلئ بالإيمان العامر باليقين يُقنع مَن حوله بقرب فرج الله وإن خالفه في المُعتقد والتوجُّه.

شارك هذا المنشور