يوم في حياة… رجل النظافة

كتبت ـ أميرة خطاب

قبل أن يرن منبه معظم الناس ويستيقظون، وقبل أن تمتلئ الشوارع بالسيارات والمارة، تبدأ رحلة رجل قد لا يعرف أحد اسمه، لكنه يعرف المدينة كلها، يحمل مكنسته وعربته، ويخرج في موعد ثابت، كأنه على موعد مع شوارع تنتظر من يعيد إليها الحياة.

الساعة الرابعة والنصف صباحًا، الهواء لا يزال باردًا، والأرصفة شبه خالية، بينما يخطو عامل النظافة بخطوات هادئة، يبدأ يومه بجمع المخلفات التي تركها آخرون خلفهم، لا يسأل من ألقى القمامة، ولا لماذا فعل ذلك، بل يؤدي عمله بصمت، وكأن رسالته أن تبقى المدينة جميلة مهما حدث.

تمر الساعات سريعًا، مع شروق الشمس يبدأ الناس في الخروج إلى أعمالهم ومدارسهم، فيجدون الطرق نظيفة، والميادين مرتبة، والحدائق جاهزة لاستقبال الزائرين، قليلون فقط يتساءلون: من فعل كل ذلك قبل أن نستيقظ؟

خلف هذا المشهد البسيط، يقف إنسان يواجه تحديات يومية؛ حرارة الصيف، وبرودة الشتاء، والغبار، وروائح المخلفات، وساعات العمل الطويلة، ومع ذلك، يواصل مهمته دون ضجيج، لأن المدينة لا تستطيع أن تتوقف عن التنفس.

وربما يكون أصعب ما يواجهه ليس مشقة العمل، بل غياب التقدير أحيانًا، فهناك من يمر بجواره دون أن يراه، أو يتعامل معه وكأنه جزء من الطريق، بينما تكفي كلمة "شكرًا" أو ابتسامة صادقة لتمنحه شعورًا بأن ما يقدمه ليس عملًا عاديًا، بل خدمة تحفظ صحة المجتمع وجمال المكان.

يؤكد خبراء الصحة العامة أن النظافة ليست مجرد مظهر حضاري، بل خط الدفاع الأول ضد انتشار الأمراض والحشرات والروائح الملوثة، وهذا يعني أن عامل النظافة لا ينظف الشارع فقط، بل يشارك يوميًا في حماية صحة آلاف المواطنين.

ومع نهاية يومه، يعود إلى منزله وقد قطع كيلومترات سيرًا على الأقدام، وجمع أطنانًا من المخلفات، بينما يبدأ آخرون يومًا جديدًا في أماكن أصبحت أكثر نظافة بفضل مجهوده.

قد لا يظهر اسمه في الأخبار، ولا تلتقط له الكاميرات الصور، لكنه واحد من الجنود المجهولين الذين يجعلون الحياة أكثر راحة وانتظامًا، واحترامه لا يكون بالكلمات وحدها، بل بالحفاظ على نظافة المكان، وإلقاء المخلفات في الأماكن المخصصة لها، وتقدير كل يد تعمل بإخلاص.

فالحضارة لا تُقاس فقط بما نبنيه من مبانٍ، بل أيضًا بكيفية تعاملنا مع من يحافظون على نظافة المكان الذي نعيش فيه.

شارك هذا المنشور