« كم حياة ستعيش؟».. هل تصنع حياتك أم تترك الأيام تقودك؟

تمر الأيام أحيانًا من دون أن نشعر أننا عشناها فعلًا، نستيقظ وننجز ما هو مطلوب منا، ونكرر العادات نفسها، ثم نؤجل الأشياء التي نحبها إلى وقت أفضل قد لا يأتي.

نقول إننا سنبدأ عندما تتحسن الظروف، أو عندما نمتلك المال والوقت والشجاعة، لكن السنوات لا تنتظر حتى نصبح مستعدين، ومع كل تأجيل يتحول بعض ما كنا نحلم به إلى فرصة ضائعة.

في كتاب « كم حياة ستعيش؟»، يدفع الكاتب كريم الشاذلي القارئ إلى إعادة التفكير في الطريقة التي يقضي بها عمره، ويواجهه بسؤال يبدو بسيطًا، لكنه يكشف الكثير عن اختياراته وأولوياته.

الكتاب لا ينظر إلى الحياة باعتبارها فرصة مفتوحة للحصول على أكبر قدر من المتعة فقط، بل يربطها بالمسؤولية والمعنى وما يتركه الإنسان خلفه، مؤكدًا أن حياتنا الحالية ليست القصة كلها، وإنما الجزء الذي نزرع فيه ما سنحصده لاحقًا.

– لا تجعل فكرة الحياة الواحدة مبررًا للاندفاع

نسمع كثيرًا عبارة « لن تعيش إلا مرة واحدة»، وعادة ما تُقال لتشجيع الإنسان على خوض تجربة جديدة أو الاستمتاع بحياته، لكنها قد تتحول أيضًا إلى مبرر للاندفاع وراء كل رغبة من دون التفكير في نتائجها.

قد يقنع الإنسان نفسه بأنه يستحق الحصول على كل ما يريد، حتى لو تسبب ذلك في إيذائه أو إيذاء من حوله، وكأن قصر الحياة يعني أن نعيش بلا حدود أو مسؤولية.

لكن الاستمتاع بالحياة لا يتعارض مع التفكير في العواقب، كما أن الحرية لا تعني أن يصبح الإنسان أسيرًا لرغباته، فبعض القرارات تمنحنا متعة سريعة، لكنها تترك أثرًا طويلًا من الندم أو الخسارة.

السؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا أريد الآن؟ بل أيضًا: ماذا سيصنع هذا الاختيار مني بعد سنوات؟

– لا تؤجل حياتك حتى تصبح الظروف مثالية

ينتظر كثيرون اللحظة المناسبة ليبدأوا، فيؤجل شخص مشروعه حتى يملك المال الكافي، ويؤجل آخر تعلم مهارة جديدة حتى يتوفر لديه الوقت، بينما ينتظر شخص ثالث أن يختفي خوفه قبل اتخاذ أي خطوة.

لكن الظروف المثالية نادرًا ما تأتي، وغالبًا ما يبدأ الإنسان وهو خائف، وبإمكانات أقل مما يتمناه، ثم تتضح له الطريق أثناء السير.

هذا لا يعني اتخاذ قرارات متهورة، بل التوقف عن استخدام الظروف عذرًا دائمًا للهروب من المحاولة، فالخطوة الصغيرة التي نأخذها اليوم قد تكون أهم من خطة كبيرة نظل نفكر فيها سنوات.

الحياة لا تتغير دفعة واحدة، لكنها تتشكل من اختيارات بسيطة تتكرر يومًا بعد يوم.

– الصعوبات لا تعني أن حياتك توقفت

لا يخلو طريق من الخسارة أو الفشل أو الصدمات، وقد يمر الإنسان بتجربة تجعله يشعر بأن حياته انقسمت إلى ما قبلها وما بعدها.

يعترف الكتاب بأن الحديث عن الصبر يبدو أسهل من مواجهة الألم نفسه، فالشخص الذي يراقب الأزمة من الخارج لا يشعر بما يشعر به من يعيش داخلها، لكن التجربة الصعبة لا يجب أن تكون نهاية القصة.

يمكن للألم أن يجعلنا أكثر خوفًا وانغلاقًا، ويمكنه أيضًا أن يمنحنا فهمًا أعمق لأنفسنا وللآخرين، والفارق لا يكون دائمًا في نوع التجربة، بل في الطريقة التي نتعامل بها معها.

بعض الدروس لا نفهمها وقت حدوثها، لكننا نكتشف بعد فترة أنها جعلتنا أكثر هدوءًا وصلابة وقدرة على مواجهة ما يأتي، وتدور إحدى أفكار الكتاب حول أن السقوط والهزيمة في بعض الجولات جزء من طريق النجاح، بشرط أن نتعلم منهما.

– النجاح لا يأتي من الأمنيات

يرغب الجميع في النجاح والسعادة، لكن الرغبة وحدها لا تصنع حياة مختلفة، فالأهداف التي لا تتحول إلى عمل تظل مجرد أمنيات جميلة.

لا يقدم الكتاب النجاح باعتباره ضربة حظ أو طريقًا سهلًا يخلو من التعب، بل يربطه بالمحاولة المستمرة، وتحمل المشقة، والعودة بعد الإخفاق.

قد ننشغل بالبحث عن أسرع الطرق، فنقرأ كثيرًا ونخطط طويلًا، لكننا نهرب من الجزء الأصعب: التنفيذ، فالمعرفة لا تغير حياتنا ما لم تتحول إلى عادة أو قرار أو خطوة حقيقية.

ليس المطلوب أن تحقق إنجازًا ضخمًا كل يوم، بل أن تفعل شيئًا يقربك من الحياة التي تريدها، حتى لو كان بسيطًا.

– اسأل نفسك ماذا ستترك خلفك

قيمة الحياة لا تُقاس فقط بعدد السنوات التي نعيشها، بل بما نفعله داخل هذه السنوات، وبالأثر الذي نتركه في الناس والأماكن التي مررنا بها.

قد يكون الأثر في كلمة ساعدت شخصًا، أو مسؤولية تحملناها، أو علم نقلناه إلى غيرنا، أو موقف اخترنا فيه الصواب رغم أن الطريق الآخر كان أسهل.

عندما يتذكر الإنسان أن وقته محدود، قد يصبح أكثر قدرة على التمييز بين الأشياء المهمة وتلك التي تستهلك عمره بلا فائدة.

وقتها لا يعود السؤال: كيف أعيش أطول؟ بل: كيف أجعل الأيام التي أملكها أكثر قيمة؟

في النهاية، لا يطلب كتاب « كم حياة ستعيش؟» من القارئ أن يطارد كل تجربة خوفًا من ضياع العمر، وإنما يدعوه إلى عيش حياته بوعي ومسؤولية، وألا يسمح للخوف أو الكسل أو الظروف بأن تختار طريقه بدلًا منه.

فالحياة التي نعيشها الآن تجربة لا يمكن إعادتها، وكل يوم يمر يترك جزءًا من قصتنا؛ لذلك ربما يكون أهم ما يمكن أن نسأله لأنفسنا: هل نعيش بالطريقة التي نؤمن بها، أم نكتفي بمشاهدة السنوات وهي تمر؟

شارك هذا المنشور