ثقافة الاستعجال.. لماذا نريد كل شيء الآن؟

في زمن لم تعد فيه دقائق الانتظار مقبولة أصبحنا نعيش في مجتمع يريد كل شيء فورًا نطلب الطعام في دقائق ونشاهد الفيلم بضغطة زر وننتظر الرد على الرسائل خلال ثوانٍ وإذا تأخر شيء قليلًا نشعر بالضيق ومع مرور الوقت لم تعد السرعة مجرد وسيلة لتسهيل الحياة بل تحولت إلى ثقافة أثرت في طريقة تفكيرنا وقراراتنا بل وحتى في أحلامنا.

المشكلة ليست في التكنولوجيا فهي نعمة جعلت الحياة أسهل وإنما في الطريقة التي تعاملنا بها معها فقد بدأ البعض يتوقع أن النجاح أيضًا يجب أن يأتي سريعًا وأن الثروة يمكن أن تتحقق في أيام وأن الشهرة تحتاج إلى مقطع فيديو واحد فقط وأن الاستثمار الحقيقي هو الذي يحقق أرباحًا خيالية خلال ساعات.

هذه الثقافة دفعت كثيرين إلى الوقوع في فخاخ متعددة فكم من شخص اقترض أموالًا ليشتري سيارة أو هاتفًا فقط لأنه لا يريد الانتظار؟ وكم من شاب دخل في استثمار وهمي بعدما صدق إعلانًا يعد بمضاعفة الأموال في وقت قياسي؟ وكم من موظف ترك عملًا جيدًا لأنه لم يحصل على الترقية التي كان ينتظرها بعد أشهر قليلة فقط؟

الحقيقة أن الحياة لا تسير بهذه الطريقة فكل إنجاز كبير احتاج إلى وقت وكل مشروع ناجح مر بفترات صعبة وكل مستثمر ناجح تعلم من الخسارة قبل الربح حتى الطبيعة نفسها تعلمنا أن الثمار لا تنضج في يوم واحد وأن الزرع يحتاج إلى صبر حتى يعطي محصولًا.

الاقتصاد أيضًا يقوم على هذه الفكرة فالشركات الكبرى لم تُبنَ بين ليلة وضحاها والمدخرات الصغيرة التي يلتزم بها أصحابها سنوات قد تتحول إلى رأس مال حقيقي بينما البحث عن الربح السريع غالبًا ما يقود إلى خسائر سريعة ولهذا تنتشر عمليات النصب كلما زادت رغبة الناس في تحقيق مكاسب بلا جهد ولا وقت.

والأخطر أن ثقافة الاستعجال لم تؤثر على المال فقط بل أثرت على العلاقات والعمل والتعلم أصبح البعض يريد تعلم لغة في أسبوع أو إتقان مهنة في أيام أو بناء علاقة إنسانية عميقة خلال لقاءات قليلة وعندما لا تتحقق النتائج سريعًا يصاب بالإحباط ويبدأ من جديد في طريق آخر دون أن يمنح نفسه فرصة للاستمرار.

وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في ترسيخ هذا الشعور فهي تعرض لنا لقطات النجاح لكنها لا تعرض سنوات التعب التي سبقتها نرى شخصًا يفتتح مشروعًا ناجحًا ولا نرى المحاولات الفاشلة التي مر بها نرى صورة النهاية ولا نرى تفاصيل الرحلة وهنا تبدأ المقارنة غير العادلة ويظن كثيرون أنهم تأخروا عن الآخرين بينما الحقيقة أن لكل إنسان توقيته الخاص.

ولعل أخطر ما تخلقه ثقافة الاستعجال هو فقدان متعة الرحلة نفسها فالإنسان الذي ينشغل دائمًا بالوصول قد ينسى أن يتعلم أثناء الطريق وأن يستمتع بالتطور التدريجي بينما من يدرك أن الإنجازات الكبيرة تحتاج إلى وقت يصبح أكثر هدوءًا وثقة وأقل عرضة للاندفاع وراء الوعود الكاذبة.

الصبر لم يعد مجرد قيمة أخلاقية بل أصبح مهارة اقتصادية وحياتية فمن يصبر على التعلم يصبح أكثر كفاءة ومن يصبر على الادخار يبني أمانًا ماليًا ومن يصبر على مشروعه يمنحه فرصة حقيقية للنجاح.

وربما نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا سؤالًا بسيطًا هل نحن نستعجل لأن الوقت يضغط علينا أم لأننا اعتدنا أن كل شيء يأتي بضغطة زر؟ فليست كل الأشياء الجميلة تُصنع بسرعة وبعض الإنجازات تفقد قيمتها إذا جاءت قبل أوانها وربما يكون أعظم استثمار يمكن أن يقوم به الإنسان اليوم هو أن يستعيد فضيلة الصبر في زمن أصبح فيه الاستعجال أسلوب حياة.

شارك هذا المنشور