أحمد أبوالمحاسن يكتب: بناء الإنسان يسبق بناء المشروعات

حينما تتطلع الأمم إلى صياغة مستقبلها فإنها تضع حجر الأساس في المكان الصحيح، والمكان الصحيح دائماً هو عقل الإنسان ووجدانه، إن السعي نحو النهوض بالمجتمعات عبر تشييد البنايات الشاهقة وتأسيس المصانع الضخمة وإطلاق الشركات العملاقة يظل سعياً منقوصاً الأثر ما لم يسبقه استثمار حقيقي وممنهج في بناء المواطن الذي يدير هذه المنظومة.
الإنسان هو الصانع والمبتكر والمحرك الأساسي لكل مظاهر التنمية، وبدونه تتحول أحدث التكنولوجيات وأعظم الأصول المادية إلى هياكل هامدة لا روح فيها ولا إنتاجية ترجى منها، من هنا يتضح لنا جلياً أن الاستثمار في البنية البشرية ليس مجرد خيار تنموي إنما هو ضرورة حتمية تفرضها سنن الكون وتجارب التاريخ التي أثبتت أن الدول لا تقاس بما تملكه من ثروات طبيعية ومبانٍ بل بما تمتلكه من عقول واعية وطاقات بشرية مؤهلة ومبدعة.

إن عملية بناء الإنسان التي نقصدها هي منظومة ثلاثية الأبعاد لا تقبل التجزئة أو الاختزال وتبدأ أولى مساراتها بالبناء العلمي الرصين، فالتعليم الذي يستهدف تنمية مهارات التفكير النقدي والتحليلي بدلاً من الحفظ والتلقين هو الحصن المنيع الذي يحمي الفرد من الانسياق خلف الأفكار الهدامة والشائعات المضللة.

العلم هو الذي يمنح الإنسان القدرة على فهم معطيات عصره واستيعاب المتغيرات السريعة التي تحيط به في هذا العالم الرقمي المتسارع، وحينما يتسلح المجتمع بأجيال متعلمة ومثقفة تمتلك الشغف بالمعرفة والبحث العلمي فإننا بذلك نضع أولى ركائز الاستثمار الحقيقي الذي لا ينضب، حيث يصبح الفرد قادراً على الابتكار وإيجاد حلول غير تقليدية للمشكلات المزمنة التي تواجه وطنه ومجتمعه.
أما البُعد الثاني فيتمثل في البناء المهاري والعملي الذي يواكب متطلبات سوق العمل المعاصر ومستجداته، فالعلم النظري وحده لا يكفي لصناعة جيل قادر على الإنتاج والتميز ما لم يرتبط بمهارات تطبيقية دقيقة ترفع من كفاءته التشغيلية والقيادية.

إن التدريب المستمر وتطوير القدرات المهنية وصقل المواهب الإبداعية للشباب هو المحرك الفعلي لعجلة الاقتصاد والتنمية المستدامة، وحينما نهتم بتأهيل الكوادر البشرية وفق أعلى المعايير العالمية فإننا نضمن بذلك نجاح المشروعات القومية الكبرى واستمراريتها، فالمصنع الحديث يحتاج إلى مهندس وعامل يمتلكان المهارة الفائقة لإدارته، والشركة الذكية تحتاج إلى عقول تدير خوارزمياتها بكفاءة، وبناء هذه المهارات هو الذي يضمن للمؤسسات التفوق والقدرة على المنافسة في الأسواق الإقليمية والدولية.

ويأتي البُعد الثالث وهو الأهم والأعمق أثراً ليتوج هذه المنظومة ونعني به البناء الأخلاقي والقيمي السوي، فالإنسان الذي يمتلك العلم والمهارة دون وازع أخلاقي أو ضمير مهني حي قد يصبح أداة هدم لبلده ومجتمعه بدلاً من أن يكون معول بناء وتنمية، إن الأخلاق هي الضابط الذي يوجه العلم نحو النفع العام وهي الفطرة الإنسانية السليمة التي تدفع الفرد لإتقان عمله وتحمل مسؤولياته الوطنية والاجتماعية بكل أمانة وإخلاص.

عندما نزرع في وجدان أبنائنا قيم النزاهة والعدالة والتعاون والولاء والتسامح فإننا نصنع حائط صد متين ضد الفساد والانحراف الفكري والأخلاقي، وتصبح هذه القيم الأصيلة المستمدة من جذورنا وتراثنا هي المرجعية الثابتة التي تحمي البيوت والمؤسسات من أي خلل قد يصيب بنيانها الفكري والمجتمعي.
إن العودة للأصل والارتكاز على جذورنا وفطرتنا السوية تؤكد لنا أن النهضة الشاملة تبدأ دائماً من الداخل ومن صياغة وعي المواطن قبل صياغة واجهات المدن، وإذا تأملنا تجارب الدول التي حققت طفرات اقتصادية كبرى في العصر الحديث سنجد أن سر تميزها يكمن في أنها وضعت الإنسان في مقدمة أولوياتها فاستثمرت في صحته وتعليمه وقيمه حتى أضحى هو الثروة الحقيقية ومصدر الفخر والاعتزاز.
إن تشييد المصانع وتأسيس الشركات خطوة هامة بلا شك في مسيرة الدول، ولكن الأهم هو بناء “ابن البلد” الذي يمتلك الفكر الواعي والعين الناقدة واليد الماهرة ليحافظ على هذه المكتسبات ويدافع عن مقدرات وطنه ضد الزيف والتشويه، وبناء الإنسان أولاً هو الضمانة الوحيدة لإنتاج مستقبل مستدام يحمل ملامح هويتنا وأصالتنا ويحقق للأجيال القادمة الحياة الكريمة التي يستحقونها.

شارك هذا المنشور