كتب: محمود الصادق
في كل يوم، يتخذ الإنسان عشرات القرارات، بعضها بسيط يتعلق بالحياة اليومية، وبعضها قد يحدد مستقبله المهني أو المالي أو الاجتماعي. وبينما يعتقد كثيرون أن اتخاذ القرار يعتمد على الخبرة أو الحدس فقط، تؤكد الدراسات في علم النفس والعلوم السلوكية أن جودة القرارات ترتبط بدرجة كبيرة بطريقة التفكير، والقدرة على تحليل المعلومات، وإدراك التحيزات العقلية التي قد تؤثر في الحكم على الأمور، وتعرّف الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) عملية اتخاذ القرار بأنها العملية المعرفية التي يختار من خلالها الإنسان بين بديلين أو أكثر بعد تقييم الخيارات المتاحة.
ويرى خبراء علم النفس أن العقل البشري يعتمد في كثير من الأحيان على ما يعرف بـ"الاختصارات الذهنية"، وهي آليات تساعد على اتخاذ قرارات سريعة، لكنها قد تؤدي أحيانًا إلى نتائج غير دقيقة، خاصة عندما تكون المعلومات ناقصة أو الموقف معقدًا. وتشير الأدبيات العلمية إلى أن هذه التحيزات المعرفية قد تدفع الإنسان إلى تفسير الأحداث بطريقة تخدم قناعاته المسبقة، أو المبالغة في تقدير معلومات حديثة أو مؤثرة عاطفيًا، وهو ما ينعكس على جودة القرار النهائي.
ويؤكد متخصصون أن أول خطوة نحو تحسين التفكير هي التوقف قبل اتخاذ القرار، خاصة في المواقف المهمة، فالعقل يميل إلى إصدار أحكام سريعة اعتمادًا على الانطباع الأول أو المشاعر اللحظية، بينما يمنح التمهل فرصة لتحليل البدائل ومراجعة النتائج المحتملة. وتشير أبحاث علم النفس إلى أن التفكير التحليلي يقلل من احتمالات الوقوع في الأخطاء الناتجة عن التسرع أو الانفعال.
ومن أكثر الأخطاء شيوعًا ما يعرف بالتحيز التأكيدي، حيث يبحث الإنسان عن المعلومات التي تؤيد رأيه، ويتجاهل الأدلة التي تخالفه. ويحذر الباحثون من أن هذا النمط قد يؤدي إلى قرارات غير متوازنة، سواء في الحياة الشخصية أو في بيئة العمل، ولذلك ينصح الخبراء بالبحث عن الرأي المخالف، وطرح سؤال بسيط قبل اتخاذ القرار: "ما الأدلة التي قد تثبت أنني مخطئ؟" لأن هذه المراجعة تساعد على رؤية الصورة بصورة أكثر موضوعية.
كما تلعب طريقة عرض المعلومات، دورًا مهمًا في تشكيل القرارات، وهي الظاهرة التي تعرف باسم "تأثير التأطير"، فقد يختلف قرار الشخص تجاه الفكرة نفسها إذا قُدمت بصيغة تركز على المكاسب، مقارنة بعرضها بصيغة تركز على الخسائر. ولهذا ينصح خبراء السلوك بإعادة صياغة المشكلة بأكثر من طريقة، والنظر إليها من زوايا مختلفة قبل اختيار الحل المناسب.
ويشير خبراء الصحة السلوكية إلى أن المشاعر القوية، مثل الغضب أو الخوف أو الحماس المفرط، قد تؤثر بصورة مباشرة في جودة التفكير، لذلك يُفضل عدم اتخاذ القرارات المصيرية أثناء الانفعال، وتأجيلها حتى يستعيد الإنسان هدوءه، لأن التوازن النفسي يساعد على تقييم الخيارات بصورة أكثر دقة وواقعية. كما أن تسمية المشاعر وفهمها تقلل من تأثيرها على الحكم واتخاذ القرار.
ومن الوسائل الفعالة أيضًا جمع المعلومات من مصادر موثوقة قبل اتخاذ أي قرار مهم، وتؤكد منظمة الصحة العالمية، في دليلها حول اتخاذ القرارات المبنية على الأدلة، أن القرارات الأفضل هي تلك التي تعتمد على تقييم المعلومات المتاحة بصورة منهجية، وليس على الانطباعات أو الشائعات أو المعلومات غير الموثقة. وترى المنظمة أن الاعتماد على الأدلة يقلل من الأخطاء ويرفع جودة النتائج في مختلف المجالات.
وينصح المتخصصون كذلك بعدم الخلط بين الخبرة والثقة الزائدة، إذ قد تدفع الثقة المفرطة الإنسان إلى التقليل من المخاطر أو تجاهل احتمالات الفشل، لذلك يُعد تقييم المخاطر، ووضع بدائل وخطط احتياطية، من أهم عناصر التفكير السليم، خاصة في القرارات المالية أو المهنية أو الاستثمارية. كما أن مراجعة القرارات السابقة، سواء نجحت أو فشلت، تمنح الإنسان خبرة عملية تساعده على تحسين اختياراته المستقبلية.
ويرى علماء النفس أن اتخاذ القرار ليس مهارة فطرية فقط، بل قدرة يمكن تطويرها بالممارسة، فكلما اعتاد الإنسان التفكير النقدي، وتحليل المعلومات، والاستماع إلى وجهات نظر مختلفة، أصبح أكثر قدرة على تجنب الأخطاء الذهنية واتخاذ قرارات أكثر توازنًا. كما أن تدوين الأسباب التي دفعت إلى اتخاذ قرار معين، ثم مراجعة نتائجه لاحقًا، يساعد على اكتشاف نقاط القوة والضعف في أسلوب التفكير.
وفي النهاية، تؤكد الأبحاث أن القرار الجيد لا يعني بالضرورة نتيجة مثالية دائمًا، لأن الحياة تتأثر بعوامل متعددة قد تكون خارج سيطرة الإنسان، لكن جودة القرار تقاس بمدى اعتماده على معلومات صحيحة، وتحليل منطقي، وتقييم واقعي للمخاطر والفرص. ولذلك فإن تغيير طريقة التفكير لا يبدأ بالبحث عن إجابات سريعة، بل بالقدرة على طرح الأسئلة الصحيحة، ومراجعة القناعات، والاعتماد على الأدلة بدلًا من الانطباعات، وهو ما يجعل الإنسان أكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة واتخاذ قرارات أكثر وعيًا وثقة.