كتب: محمود رجب
تشهد شركات التكنولوجيا العالمية موجة جديدة من تقليص الوظائف بالتزامن مع التوسع الكبير في الاستثمار بالذكاء الاصطناعي، في وقت تتجه فيه كبرى الشركات إلى إعادة هيكلة أعمالها لتوجيه مزيد من الموارد نحو تطوير البنية التحتية والتقنيات الذكية.
وتأتي هذه التطورات بعدما أعلنت شركتا ميتا ومايكروسوفت عن إجراءات قد تؤثر في أكثر من 20 ألف موظف، بينما سبقتها أمازون بعمليات تسريح واسعة، وهو ما يعكس تحولًا متسارعًا في طبيعة سوق العمل داخل القطاع التقني.
ميتا تُقلِّص قوتها العاملة
أعلنت شركة ميتا أن مرحلة التسريحات ستبدأ في 20 مايو، وتشمل خفض نحو 10% من موظفيها، بما يعادل قرابة 8 آلاف وظيفة، إضافة إلى إلغاء خطط شغل نحو 6 آلاف وظيفة كانت مقررة.
وأوضحت الشركة أن هذه الخطوة تأتي ضمن خطة لرفع الكفاءة التشغيلية وتوجيه مزيد من الاستثمارات نحو مشاريع الذكاء الاصطناعي.
مايكروسوفت تطلق برنامج خروج طوعي
بدورها، كشفت مايكروسوفت عن برنامج للخروج الطوعي يستهدف موظفيها في الولايات المتحدة، ويشمل العاملين حتى مستوى المديرين التنفيذيين ممن يبلغ مجموع أعمارهم وسنوات خدمتهم 70 عامًا أو أكثر.
وتشير التقديرات إلى أن عدد المؤهلين للاستفادة من البرنامج قد يصل إلى نحو 8750 موظفًا.
استثمارات قياسية في الذكاء الاصطناعي
في المقابل، تواصل شركات مثل ألفابت ومايكروسوفت وميتا وأمازون ضخ استثمارات تقترب من 700 مليار دولار خلال العام الجاري لتوسيع قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، بالتزامن مع استمرار تقليص أعداد الموظفين.
ويرى مختصون أن هذه الشركات تُعيد هيكلة أعمالها بعد موجة التوظيف الكبيرة التي صاحبت فترة جائحة كورونا.
مؤشرات مقلقة لسوق العمل
يُحذِّر خبراء الاقتصاد من أن التغيرات الحالية لم تعد مجرد إجراءات مؤقتة، بل تعكس تحولًا هيكليًّا في سوق العمل.
وتشير البيانات إلى فقدان أكثر من 92 ألف وظيفة تقنية منذ بداية عام 2026، بينما يقترب إجمالي الوظائف التي ألغيت منذ عام 2020 من 900 ألف وظيفة.
وقال خبير القيادة والعمل أنطوني توغل: إن ما يحدث يمثل تحولًا جذريًّا في طبيعة سوق العمل، وليس مجرد تصحيح لدورة اقتصادية.
الذكاء الاصطناعي يُعيد رسم خريطة الوظائف
منذ إطلاق روبوت المحادثة "تشات جي بي تي" عام 2022، تصاعدت المخاوف من قدرة تقنيات الذكاء الاصطناعي على تنفيذ مهام كانت تعتمد سابقًا على فرق عمل بشرية.
كما زادت هذه المخاوف مع تطور أدوات "كلود"، التي أثبتت قدرتها على إنجاز أعمال معقدة كانت تتطلب عددًا كبيرًا من الموظفين.
التسريحات تمتد إلى شركات أخرى
لم تقتصر عمليات خفض الوظائف على شركات التكنولوجيا الكبرى، إذ أعلنت نايكي الاستغناء عن نحو 1400 موظف، كان معظمهم يعملون في الأقسام التقنية.
كما خفضت سناب نحو 16% من قوتها العاملة، بما يعادل ألف وظيفة تقريبًا، إلى جانب إلغاء 300 وظيفة شاغرة.
وفي سيلزفورس، جرى الاستغناء عن 4 آلاف موظف في قطاع دعم العملاء، بينما أكد الرئيس التنفيذي مارك بينيوف أن الشركة باتت تحتاج إلى عدد أقل من العاملين.
أوراكل توازن بين الإنفاق وخفض التكاليف
أعلنت شركة أوراكل أيضًا عن تسريحات جديدة بالتزامن مع زيادة إنفاقها على مشاريع الذكاء الاصطناعي، وسط ضغوط مالية مرتبطة بتراجع التدفقات النقدية.
وتشير تقديرات بحثية إلى أن تقليص ما بين 20 و30 ألف وظيفة قد يوفر للشركة ما بين 8 و10 مليارات دولار من التدفقات النقدية الحرة.
إعادة هيكلة مستمرة في القطاع
واصلت أمازون منذ أكتوبر الماضي خفض أكثر من 30 ألف وظيفة، وهو ما يعادل نحو 10% من قوتها العاملة التقنية.
كما تواصل جوجل تنفيذ عمليات إعادة هيكلة متفرقة منذ عام 2023، ضمن خطة تستهدف رفع الكفاءة التشغيلية.
الشركات الناشئة تعتمد على فرق أصغر
في المقابل، يشهد قطاع الشركات الناشئة تحولًا واضحًا، إذ أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي تتيح بناء شركات تحقق إيرادات مرتفعة بعدد محدود من الموظفين.
وأوضح زاك براتون جلينون من شركة غرايدينت الاستثمارية أن التقنيات الحديثة أصبحت قادرة على تطوير تطبيقات متكاملة خلال يوم واحد فقط.
حالة من عدم اليقين
رغم استمرار النمو في قطاع الذكاء الاصطناعي، يواجه العاملون في التكنولوجيا حالة متزايدة من القلق بسبب تسارع التغيرات في سوق العمل.
ويرى كبير الاقتصاديين في غلاسدور دانييل تشاو أن كثيرًا من الموظفين أصبحوا أقل رغبة في ترك وظائفهم، نتيجة تراجع الاستقرار الوظيفي وارتفاع المخاوف من فقدان العمل.
وتشير هذه المؤشرات إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد يقتصر على تحسين الإنتاجية، بل أصبح عاملًا رئيسيًّا في إعادة تشكيل سوق العمل العالمي، مع اتساع الفجوة بين حجم الاستثمارات التقنية واستمرار تقليص الوظائف البشرية.