الفاقد الزراعي في مصر.. خسائر تبدأ من الحصاد وتمتد إلى الموارد والإنتاج

لا تنتهي تكلفة إنتاج المحاصيل الزراعية عند خروجها من الأرض، بل تستمر خلال عمليات الجمع والفرز والتعبئة والنقل والتخزين والتسويق.

وفي كل مرحلة، قد يفقد المنتج جزءًا من محصوله بسبب التلف أو سوء التداول أو تأخر الوصول إلى السوق، لتتحول الموارد التي استُخدمت في الزراعة إلى تكلفة لم تحقق عائدها الاقتصادي الكامل.

وتكتسب هذه المشكلة أهمية في ظل الحاجة إلى تعظيم الاستفادة من الموارد الزراعية والمائية، فخفض الفاقد لا يقتصر على الحفاظ على الغذاء، بل يساعد أيضًا على تقليل الهدر في المياه والطاقة والعمل، وتحسين العائد الذي يحصل عليه المزارع من إنتاجه.

دراسة علمية ترصد خسائر العنب في مصر

تناولت دراسة منشورة في مجلة Journal of Environmental Management في يناير 2025 الخسائر التي يتعرض لها محصول العنب في مصر، اعتمادًا على بيانات جُمعت من 343 مزارعًا ووسيطًا ضمن سلسلة الإمداد.

وقدرت الدراسة متوسط الفاقد بعد الحصاد بنحو 10.06% لدى المزارعين، و5.82% لدى تجار الريف، و6.53% لدى تجار الجملة، و7.06% لدى تجار التجزئة. كما قدرت التكلفة الاقتصادية السنوية لهذه الخسائر بنحو 203.5 مليون دولار.

وتخص هذه النتائج محصول العنب والعينة التي تناولتها الدراسة، ولا تمثل تقديرًا لإجمالي الفاقد الزراعي في مصر، لكنها توضح كيف تتوزع الخسائر خلال انتقال المحصول من المنتج إلى المستهلك، وما يترتب عليها من إهدار للموارد المستخدمة في الإنتاج.

الخسارة لا تقتصر على قيمة المحصول

عندما يفقد المزارع جزءًا من إنتاجه، فإنه لا يخسر قيمة المحصول فقط، بل يخسر أيضًا جزءًا من تكلفة المياه والأسمدة والطاقة والعمل التي أنفقها لإنتاجه، ويتكرر الأثر لدى الوسطاء والتجار الذين يتحملون تكاليف النقل والتخزين والعمالة، ثم يفقدون جزءًا من البضائع قبل بيعها.

وقد يؤدي ضعف التخزين والتداول إلى اضطرار المنتج للبيع سريعًا، خاصة في المحاصيل سريعة التلف، وعندما يتزامن ذلك مع زيادة المعروض خلال فترة قصيرة، قد يجد المزارع صعوبة في الحصول على سعر يغطي تكاليفه.

ولا يعني ذلك أن كل تراجع في أسعار المحاصيل أو ارتفاع في أسعار الغذاء سببه الفاقد؛ فهذه الأسعار تتأثر أيضًا بالمواسم وتكاليف الإنتاج والنقل والطلب، لكن تقليل الخسائر يساعد على تحسين كفاءة سلسلة الإمداد والاستفادة من المحصول المتاح.

التخزين والتسويق جزء من الحل

توضح الدراسة أهمية تحسين ممارسات ما بعد الحصاد، وتطوير وسائل التعبئة والنقل والتخزين، وتعزيز التعاون بين المزارعين لتجميع المحاصيل وتسويقها بكفاءة أكبر. كما تبرز أهمية إتاحة خدمات التداول والتخزين الملائمة، خصوصًا للمنتجين الصغار الذين قد لا يستطيعون تحمل تكلفتها بصورة منفردة.

ويمكن أن يسهم التصنيع الزراعي في الاستفادة من المنتجات الصالحة للتصنيع التي يصعب تسويقها طازجة، من خلال تحويلها إلى منتجات قابلة للحفظ لفترات أطول، بشرط توافر الجودة المطلوبة والطلب التجاري والجدوى الاقتصادية.

وتحتاج هذه الحلول إلى استثمارات تتناسب مع طبيعة كل محصول وحجم الإنتاج، لأن احتياجات العنب تختلف عن احتياجات المحاصيل الأخرى من حيث التداول والتخزين والنقل.

من زيادة الإنتاج إلى تعظيم العائد

يتطلب تطوير الاقتصاد الزراعي الاهتمام بما يحدث للمحصول بعد الحصاد بقدر الاهتمام بزيادة الإنتاج. فزيادة الكميات المنتجة لا تحقق أقصى عائد ممكن إذا تعرض جزء منها للتلف قبل البيع أو التصنيع.

ويمثل خفض الفاقد مسارًا لتحسين العائد الاقتصادي من الموارد المستخدمة بالفعل، ودعم قدرة المزارعين على التسويق، وتوفير خامات أكثر انتظامًا للصناعات الغذائية.

وتوضح دراسة العنب أن تحسين سلسلة الإمداد ليس تفصيلًا لوجستيًا ثانويًا، بل قضية اقتصادية تمس كفاءة استخدام الموارد وتوزيع العائد بين أطراف السوق. وكلما تحسنت ممارسات الحصاد والتداول والتخزين، زادت فرص تحويل الإنتاج الزراعي إلى قيمة اقتصادية فعلية بدلًا من خسارتها خلال الطريق إلى المستهلك.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *