كتبت: منى محمد
ليست المراهقة مجرد مرحلةٍ عمرية عابرة، بل هي عبورٌ هادئ بين ضفتي الطفولة والنضج، رحلةٌ تتبدل فيها الملامح، وتتسع فيها الأحلام، وتضج النفس بأسئلةٍ لا تنتهي، وفي هذه الرحلة لا يبحث المراهق عن من يملي عليه الطريق، بقدر ما يبحث عن يدٍ تمسك بيده، وقلبٍ يتسع لتقلباته، وعينين تريان فيه ما هو أبعد من أخطائه، فالعلاقة القوية معه لا تُشيَّد بالأوامر، وإنما تُبنى لبنةً بعد أخرى من الثقة، والاحترام، والمحبة.
أجمل ما يمكن أن يُهدى إلى المراهق هو الإصغاء، فهناك كلمات لا تريد جوابًا، بل تريد أذنًا صادقة تسمعها، وقلبًا رحيمًا يحتضنها، وعندما يجد من ينصت إليه دون أن يقاطعه، أو يحاكمه، أو يستخف بمشاعره، يشعر بأن صوته له قيمة، وأن وجوده ليس هامشًا في حياة الآخرين، بل جزءًا أصيلًا منها، وعندها يصبح الحوار جسرًا تعبر عليه الثقة، بدلًا من أن تبقى المسافات تتسع بصمت.
وليس الاحترام كلمةً تُقال، بل شعورٌ يُزرع في النفوس، فالمراهق وإن بدا صغيرًا في أعين الكبار، يحمل في داخله عالمًا واسعًا من الأفكار، والآمال، والمخاوف، وحين يُعامل بوصفه إنسانًا له رأيه وخصوصيته وكرامته، يزهر داخله شعورٌ بالطمأنينة، أما الكلمات الجارحة، والسخرية، والمقارنات، فهي كرياحٍ باردة تذبل بها أجمل الزهور قبل أن تتفتح.
وما أروع أن يجتمع أفراد الأسرة حول لحظاتٍ بسيطة، فليس المهم أين يكون اللقاء، بل كيف يكون، فقد تصنع جلسةٌ عابرة، أو نزهةٌ قصيرة، أو حديثٌ دافئ في مساءٍ هادئ، ذكرياتٍ تبقى في القلب أعوامًا طويلة، فالمحبة لا تُقاس بكثرة الهدايا، وإنما بحضورٍ صادق يشعر معه المراهق أنه ليس وحده في مواجهة العالم.
يكبر الإنسان، بالكلمة الطيبة كما تكبر الأشجار بالماء، فإن التشجيع يوقظ في المراهق شجاعة المحاولة، ويمنحه إيمانًا بقدرته على تجاوز العثرات، فليس النجاح أن يخلو الطريق من السقوط، وإنما أن يجد من يمد له يده كلما تعثر، ويخبره أن الفشل ليس نهاية الحكاية، بل بداية فصلٍ جديد أكثر نضجًا وإصرارًا.
ومع المحبة لا بد من الحكمة، فالنهر لا يبلغ البحر إلا إذا حفظت ضفتاه مجراه، وكذلك المراهق يحتاج إلى حدودٍ ترشده، لا قيودٍ تخنقه، يحتاج إلى قواعد تُفسَّر له بالعقل، لا أوامر تُفرض عليه بالقوة، فالحوار يفتح القلوب، أما القسوة فلا تفتح إلا أبواب العناد والابتعاد.
تبقى العلاقة مع المراهق، كغرسةٍ يانعة، لا تنمو في يومٍ واحد، بل تحتاج إلى صبرٍ يسقيها، ورحمةٍ تظللها، وثقةٍ تمنحها الحياة، فإذا أحسنّا رعايتها، أثمرت قربًا، ومودة، وأمانًا، وأصبح المراهق أكثر قدرة على مواجهة الحياة بقلبٍ مطمئن، ونفسٍ واثقة، وروحٍ تعرف أن هناك دائمًا من يحبها، ويؤمن بها، مهما اشتدت عليها الأيام.