انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي سؤال بسيطا في كلماته، لكنه عميق في معناه: “لو أصبحت مليونيرًا .. ماذا ستغيّر في تربية ابنك؟
والإجابة التي تستحق التأمل هي: لا شيء في جوهر التربية.
قد يتغير المنزل، وقد تكبر الغرفة، وقد تصبح المدرسة أكثر تكلفة، وربما تتعدد الألعاب والرحلات، لكن الصدق لن يصبح أغلى، والأمانة لن تُشترى بالمال، والاحترام لن يباع في الأسواق، فالتربية الحقيقية لا تعرف غنيًا ولا فقيرًا، بل تعرف أبًا صالحًا وأمًا صالحة يزرعان القيم قبل أن يزرعا الأحلام.
كم من أبٍ فقير لم يترك لابنه سوى اسم طيب وسيرة حسنة، فإذا بهذا الابن يصبح رجلًا يحترمه الجميع، لأن ثروته كانت في أخلاقه .. وفي المقابل، كم من أبٍ جمع الملايين، لكنه أهمل غرس المبادئ، فضاعت ثروته على يد ابنٍ لم يعرف قيمة المال ولا قيمة الناس.
وليس هذا مجرد كلام، فالواقع مليء بأمثلة لورثة بددوا إمبراطوريات بناها آباؤهم في سنوات طويلة، لأنهم ورثوا الأموال ولم يرثوا الانضباط والمسؤولية .. وفي المقابل، نجد كثيرًا من العظماء خرجوا من بيوت متواضعة، لكنهم حملوا معهم كنزًا لا يفنى “حسن التربية”.
إن التربية رزق من الله، تمامًا كما أن المال رزق، والصحة رزق، والعلم رزق، فقد يمنح الله إنسانًا مالًا كثيرًا، ويحرمه نعمة تربية الأبناء، وقد يضيق الرزق على آخر، لكنه يرزقه ولدًا صالحًا يكون خير استثمار في الدنيا، وامتدادًا لعمله بعد الرحيل.
لذلك، لا تجعل أمنيتك أن تصبح غنيًا حتى تحسن تربية أولادك، بل اجعل أمنيتك أن يرزقك الله الحكمة والصبر والقدوة الحسنة .. فالأبناء لا يتذكرون قيمة السيارة التي أقلّتهم إلى المدرسة، بقدر ما يتذكرون اليد التي أمسكت بأيديهم عند الخطأ، والكلمة التي علمتهم الصواب، والخلق الذي عاشوه في بيتهم.
فالمال قد يفتح أبوابًا كثيرة، لكنه لا يفتح باب الضمير .. أما التربية الصالحة، فهي الباب الذي يفتح للإنسان كل الأبواب، حتى وإن بدأ حياته بجيبٍ فارغ وقلبٍ ممتلئ بالقيم.