بالتعليم تحيا الأمم وتصنع الحضارات، فلا غنى عنه، لأنه أساس الحياة وأحد أهم مقومات تقدم الشعوب.
وكم من بلاد استطاعت أن تحقق نهضة حقيقية من خلال التعليم، ونجحت في بناء اقتصاد قوي وصناعة متقدمة، رغم أنها بدأت بإمكانات محدودة، لكنها امتلكت الإنسان القادر على استغلال هذه الإمكانات وتطويرها، فلا صناعة ولا زراعة ولا صحة ولا اقتصاد قوي دون تعليم جيد يخرج أجيالًا قادرة على العمل والإنتاج والابتكار.
والتعليم لا يقتصر دوره على تقديم المعلومات للطلاب أو منحهم شهادات دراسية، وإنما دوره الأساسي هو بناء شخصية الإنسان، واكتشاف قدراته ومواهبه، وتأهيله للحياة وسوق العمل، وتعليمه كيفية التفكير والتعامل مع المشكلات والتحديات.
ولذلك فإن أي خلل في منظومة التعليم ينعكس بشكل مباشر على مختلف قطاعات الدولة، لأن مخرجات التعليم هي التي تتحول فيما بعد إلى أطباء ومهندسين ومعلمين وفنيين وعمال وأصحاب مشروعات وقادة في مختلف المجالات.
وفي البلدان العربية، جاءت تقارير ودراسات عالمية خلال الفترة الأخيرة بنتائج غير طيبة بشأن جودة التعليم في مراحل ما قبل الجامعة والمراحل التأسيسية، وكذلك التعليم الجامعي وما بعد الجامعي، وهو ما يكشف عن وجود تحديات حقيقية تحتاج إلى التعامل معها بصورة جادة، خاصة أن العالم من حولنا يتغير بصورة متسارعة، وأصبحت المعرفة والتكنولوجيا والمهارات الحديثة جزءًا أساسيًا من مقومات المنافسة بين الدول.
وحتى التعليم الفني والتجاري، الذي يمثل أحد أهم القطاعات التي يمكن أن تمد سوق العمل بالعمالة المدربة، ما زال في كثير من الأحيان ينظر إليه باعتباره مجرد وسيلة للحصول على مؤهل متوسط، دون الاستفادة الكاملة من الحرف والمهارات التي يمكن أن يتعلمها الطالب خلال سنوات الدراسة.
وهنا نخسر الكثير؛ نخسر طاقة الشباب، ونخسر مهارات يمكن أن تتحول إلى مشروعات صغيرة وصناعات وحرف مطلوبة، كما نخسر دور المدارس الفنية التي من المفترض أن تكون مفرخًا للصناعات والمهن المختلفة، وأن تساهم في إعداد أجيال تمتلك مهارات حقيقية يحتاج إليها سوق العمل بدلًا من تخريج أعداد كبيرة تبحث بعد ذلك عن فرصة عمل لا تتناسب مع ما حصلت عليه من تعليم.
ومن الضروري أن يكون هناك ربط حقيقي بين التعليم واحتياجات سوق العمل، بحيث يعرف الطالب منذ سنوات الدراسة طبيعة المجالات التي يحتاج إليها المجتمع، وأن يحصل على التدريب العملي إلى جانب الدراسة النظرية، وأن تكون هناك شراكات حقيقية بين المدارس والجامعات والمؤسسات والمصانع والشركات، حتى لا تكون الشهادة هي نهاية رحلة التعليم، وإنما بداية لحياة عملية يمتلك فيها الخريج أدوات العمل.
ومن هنا، فإن منظومة التعليم في البلدان العربية تحتاج إلى تغيير الفكر القديم بفكر جديد صالح للزمان، ومواكب للتطور التكنولوجي الكبير والمتسارع، خاصة أن الأجيال الجديدة أصبحت تتعامل مع التكنولوجيا بصورة مختلفة، ولم يعد من المنطقي أن تستمر طرق التعليم بنفس الأساليب التي كانت مناسبة لعقود مضت.
ولابد في المقام الأول من النظر إلى من يعطي العلم ويسقي به عقول الأجيال؛ فالمعلم هو العنصر الأهم داخل العملية التعليمية، ولا يمكن الحديث عن تطوير التعليم دون الاهتمام به. وهذا الاهتمام لا يجب أن يكون من الناحية المادية والمعيشية فقط، وإنما ينبغي أن تعود للمعلم هيبته ووقاره ومكانته التي يستحقها، وأن يشعر بأن المجتمع يقدر الرسالة التي يؤديها.
كما يجب العمل على تدريب المعلمين وتطوير قدراتهم بصورة مستمرة، حتى يكون المعلم مواكبًا للعصر الحديث، وفاهمًا ومستوعبًا لعقلية الجيل الجديد، وقادرًا على استخدام التكنولوجيا ووسائل التعليم الحديثة، لأن تطوير الطالب يبدأ في الأساس من تطوير من يقوم بتعليمه.
وبعد ذلك يأتي الجانب المادي، فمن غير المنطقي أن نطالب المعلم بالتفرغ الكامل لرسالته، بينما يواجه أعباء معيشية كبيرة تجعله يبحث عن مصادر دخل أخرى. ولذلك لابد من منحه راتبًا كبيرًا وعادلًا يوفر له حياة كريمة، ويجعله لا يحتاج إلى إعطاء الدروس الخصوصية، ويمنحه القدرة على التركيز في عمله وتطوير نفسه وأدائه.
وفي الوقت نفسه، فإن إصلاح التعليم يحتاج إلى مراجعة المناهج وطريقة تقديمها، لأن الطالب اليوم يحتاج إلى أن يتعلم كيف يفكر، وليس فقط ماذا يحفظ. كما يحتاج إلى اكتشاف مواهبه وقدراته، وإلى مساحة أكبر للأنشطة والتطبيق العملي والتدريب، بدلًا من أن يكون التركيز الأكبر على الحفظ والاستذكار من أجل الامتحان.
كما أن التكنولوجيا أصبحت أمرًا لا يمكن تجاهله داخل العملية التعليمية، لكن إدخال التكنولوجيا لا يعني فقط وضع أجهزة أو استخدام شاشات داخل المدارس، وإنما يعني تغيير طريقة التفكير في التعليم، والاستفادة من الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي والمنصات التعليمية الحديثة بصورة منظمة، مع تدريب المعلمين والطلاب على استخدامها بالشكل الصحيح.
ثم يأتي دور القائمين على المنظومة، فلا بد من وجود رؤية واضحة وخطة مستمرة لتطوير التعليم، بعيدًا عن التغيير المستمر الذي يجعل كل مرحلة تبدأ من جديد. فالتطوير الحقيقي يحتاج إلى أهداف واضحة، ومتابعة مستمرة، وقياس للنتائج، ومعرفة ما الذي نجح وما الذي لم ينجح، حتى يمكن البناء على التجارب بدلًا من تكرار الأخطاء.
ومن المهم أيضًا استلهام تجارب دول أخرى حققت نجاحات واسعة في التعليم، خاصة التجارب القريبة منا في الخصائص والسمات، ولكن دون نقل التجربة كما هي، لأن لكل مجتمع ظروفه واحتياجاته.
المطلوب هو دراسة هذه التجارب ومعرفة أسباب نجاحها، ثم اختيار ما يتناسب مع واقعنا وتطبيقه بصورة تدريجية.
وربما يكون التحدي الأكبر أمام أي تغيير هو أن الناس لا تقبل بسهولة الخروج من الحياة النمطية التقليدية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتعليم الذي ارتبط لسنوات طويلة بأساليب ومفاهيم معينة.
ولكن التمسك بالنظام القديم لمجرد أننا اعتدنا عليه لن يساعدنا على مواجهة عالم يتغير كل يوم.
التعليم يحتاج إلى إرادة حقيقية للتغيير، تبدأ بالمعلم، وتمر بالمناهج والمدارس والجامعات والتعليم الفني، وتصل إلى ربط التعليم بسوق العمل والاستفادة من التكنولوجيا والتجارب الناجحة، مع الحفاظ على ما يصلح من النظام الحالي وتغيير ما لم يعد مناسبًا للمرحلة المقبلة.
لا غنى عن التعليم، ولا يمكن لأي دولة أن تتحدث عن نهضة حقيقية وهي تترك منظومة التعليم تواجه مشكلاتها بنفس الأدوات القديمة، فالتعليم هو البداية، ومن خلاله نستطيع أن نكتشف طاقات الشباب ونحولها إلى قوة حقيقية في الصناعة والزراعة والصحة والتكنولوجيا وغيرها من المجالات التي تحتاج إلى الإنسان القادر على العمل والإنتاج.







