عندما يقول الجسد لا.. هل المرض عقوبة “اللطف القاتل” وكبت المشاعر؟

تمهيد

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

 

ما يتناوله الكتاب

 

يضع كتاب “عندما يقول الجسد لا” للطبيب الكندي جابور ماتيه إصبعه على منطقة شديدة الحساسية في علاقتنا بأنفسنا وهي تلك المسافة بين ما نشعر به فعلًا وما نسمح لأنفسنا بالتعبير عنه؛ ومن خلال الملخص المعروض ينطلق الكتاب من فكرة مركزية جذابة ومقلقة في آن وهي أن الإنسان الذي يعجز عن وضع الحدود ويكبت غضبه ويعيش طويلًا من أجل إرضاء الآخرين قد يدفع ثمنًا جسديًا ونفسيًا لهذا الانفصال عن ذاته.

 

قوة هذه الفكرة أنها تضرب في قلب ثقافة اجتماعية اعتادت أن تمدح الإنسان الطيب الذي لا يرفض طلبًا والشخص المضحي الذي يضع الجميع قبل نفسه والإنسان الذي يتحمل بصمت ولا يشتكي لكن السؤال النقدي الذي يفرض نفسه هنا هو: إلى أي مدى يمكن أن نذهب في الربط بين الكبت النفسي والمرض الجسدي؟ وهل كل جسد مريض يحمل بالضرورة قصة نفسية مكبوتة؟ هذه المسافة بين الفكرة الملهمة والتفسير الطبي تحتاج إلى قدر كبير من الحذر؛ لأن الكتاب كما يظهر من الملخص يقدم أطروحة قوية عن التفاعل بين النفس والجسد لكنها تصبح إشكالية إذا تحولت من علاقة معقدة بين عوامل متعددة إلى قاعدة سببية مباشرة تقول إن عدم قول “لا” يؤدي إلى السرطان أو أمراض المناعة الذاتية.

 

ومن هنا فإن أفضل قراءة للكتاب ليست باعتباره اكتشافًا للسبب الخفي للأمراض وإنما باعتباره دعوة مهمة لإعادة النظر في التوتر المزمن والحدود الشخصية والكبت العاطفي والعلاقة التي يقيمها الإنسان مع جسده ونفسه.

 

من أكثر أفكار الكتاب إثارة للانتباه مفهوم “اللطف القاتل” أو صورة الإنسان الذي يرضي الجميع ويضع احتياجات الآخرين قبل احتياجاته؛ هذه الشخصية موجودة بالفعل في حياتنا اليومية وهو شخص يوافق رغم رفضه ويبتسم رغم غضبه ويتحمل فوق طاقته حتى لا يزعج الآخرين ويعتذر حتى عندما لا يكون مخطئًا وغالبًا ما يحصل هذا الشخص على مكافأة اجتماعية فالناس يصفونه بأنه طيب ومتعاون وخلوق ومتسامح، لكن السؤال الذي يطرحه الكتاب أكثر عمقًا: هل يمكن أن يكون بعض ما نسميه طيبة مجرد خوف من الرفض؟

 

هنا يقدم ماتيه فكرة تستحق التأمل؛ لأن السلوك الخارجي الواحد قد تكون وراءه دوافع مختلفة، أن تساعد شخصًا لأنك تريد مساعدته شيء وأن تساعده لأنك تخاف أن يكرهك إذا رفضت شيء آخر تمامًا، فالمشكلة إذن ليست في العطاء، وإنما في غياب الاختيار.

 

الشخص الذي يقول “نعم” لأنه يريد أن يقول نعم يمارس علاقة صحية مع الآخرين أما من يقول “نعم” بينما جسده وعقله يصرخان بـ”لا” فقد يعيش حالة مستمرة من التناقض الداخلي.

 

وهذه ربما إحدى أقوى الرسائل التي يمكن استخراجها من الكتاب: الحدود ليست أنانية كما أن التضحية ليست دائمًا فضيلة؛ لكن هل المرض لغة الجسد للكبت؟

 

هنا تبدأ المنطقة الأكثر حساسية في أطروحة الكتاب، فالتوتر النفسي المزمن يمكن أن يؤثر في النوم والمزاج والسلوك ووظائف الجسم المختلفة وهناك بالفعل مجال علمي يدرس التفاعل بين العمليات النفسية والجهاز العصبي والمناعي والغدي لكن الانتقال من هذه الحقيقة العامة إلى القول إن الكبت العاطفي يسبب السرطان أو مرضًا مناعيًا محددًا هو قفزة تحتاج إلى أدلة أقوى بكثير؛ فالمرض خصوصًا الأمراض المعقدة مثل السرطان وأمراض المناعة الذاتية ينتج عن تفاعل شبكات واسعة من العوامل الجينية والبيئية والبيولوجية والسلوكية وغيرها ولا يمكن اختزاله في شخصية المريض أو في قدرته على التعبير عن الغضب، وهنا يجب التوقف عند عبارة شديدة الخطورة إذا فهمت حرفيًا: إذا لم تقل لا سيقول جسدك لا عنك من خلال المرض، وبوصفها استعارة أدبية العبارة قوية جدًا أما بوصفها قاعدة طبية فهي تبسيط مفرط؛ فقد يصاب شخص بمرض مزمن رغم امتلاكه حدودًا صحية وقدرة عالية على التعبير عن مشاعره وقد يعيش شخص آخر سنوات طويلة وهو يكبت غضبه دون أن يصاب بالمرض الذي يتوقعه هذا الخطاب، والأهم أن تحميل المريض مسؤولية مرضه نفسيًا قد ينتج عنه شعور مؤلم بالذنب: هل أنا السبب لأنني لم أضع حدودًا؟ وهذا بالضبط ما ينبغي أن تقاومه القراءة النقدية للكتاب.

 

من أهم إسهامات الكتاب المفاهيمية أنه يرفض التصور القديم الذي يعامل الإنسان وكأن الجسد شيء منفصل تمامًا عن مشاعره، فالخوف يؤثر في ضربات القلب والضغط النفسي قد ينعكس على النوم والهضم والطاقة والتركيز والمشاعر تؤثر في السلوك اليومي الذي يؤثر بدوره في الصحة؛ إذن، العلاقة بين النفس والجسد حقيقية ومهمة لكن الاعتراف بهذه العلاقة لا يعني أن كل مرض جسدي هو نتيجة مباشرة لحالة نفسية.

 

وهنا يجب أن ننتقل من ثنائية “الجسد أم العقل” إلى نموذج أكثر تعقيدًا وهو الجسد والعقل والبيئة والسلوك والتاريخ الشخصي تعمل معًا؛ وهذا المنظور أكثر إنصافًا للمريض لأنه لا ينكر أثر النفس لكنه لا يلغي العوامل البيولوجية والطبية.

 

يربط ماتيه وفق الملخص بين أنماط إرضاء الآخرين والكبت العاطفي وبين تجارب الطفولة خصوصًا عندما يشعر الطفل أن التعبير عن غضبه أو احتياجاته قد يهدد شعوره بالأمان والحب؛ هذه الفكرة قوية نفسيًا فالطفل يتعلم بالفعل من بيئته كيف يعبر عن احتياجاته وكيف يتعامل مع الصراع والرفض والحدود، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الطفولة إلى مفتاح سحري لتفسير كل سلوك بالغ؛ فليس كل شخص يرضي الآخرين قد عاش طفولة مؤذية وليس كل شخص مر بتجارب صعبة سيصبح عاجزًا عن وضع الحدود، الإنسان يتغير عبر مراحل حياته وتتداخل في تكوين شخصيته عوامل عديدة منها البيئة والثقافة والعلاقات اللاحقة والخبرات والقدرة على التعلم، لذلك فإن قيمة النظر إلى الطفولة ليست في العثور على مذنب وإنما في فهم كيف تعلمنا أن نعامل أنفسنا والآخرين.

 

من أكثر أفكار الكتاب أهمية إعادة تقديم الغضب باعتباره إشارة يمكن أن تساعد الإنسان على حماية حدوده؛ وهذه الفكرة تستحق الدفاع عنها خصوصًا في المجتمعات التي تربط الهدوء الأخلاقي بعدم الغضب وتعتبر التعبير عن الاستياء نوعًا من سوء الأدب، فالغضب في حد ذاته ليس مشكلة ولكن المشكلة في كيفية التعبير عنه.

 

قد يخبرني الغضب أن هناك تجاوزًا حدث أو أنني مرهق أو أن أحدهم تجاوز حدودي أو أن احتياجًا مهمًا لم يُسمع، لكن الغضب لا ينبغي أن يصبح رخصة للعدوان؛ فهناك فرق بين أن أقول: “هذا التصرف غير مقبول بالنسبة لي” وبين أن أؤذي الآخر لأنني غاضب، إذن، النضج لا يعني التخلص من الغضب، بل تعلم قراءته وإدارته وتحويله من انفجار إلى حدود واضحة.

 

ربما تكون الرسالة الأكثر قابلية للتطبيق في الكتاب هي ضرورة تعلم قول “لا”، كلمة قصيرة لكنها تحمل خلفها منظومة كاملة من الخوف الاجتماعي وهي ماذا سيقولون؟ هل سيغضبون؟ هل سيتركونني؟ هل سيعتبرونني أنانيًا ولذلك فإن قول “لا” لا يتعلق بالكلمة نفسها فقط وإنما بالقدرة على تحمل النتائج العاطفية المحتملة للرفض، فالشخص الذي يضع حدودًا صحية لا يحاول التحكم في الآخرين وإنما يحدد ما يستطيع قبوله وما لا يستطيع؛ لكن الحدود أيضًا ليست سلاحًا لعقاب الآخرين وأن تقول “لا” لا يعني أن ترفض كل شيء وأن تحمي وقتك لا يعني أن تتحول إلى شخص غير متاح للجميع، فالحدود الصحية تقوم على التوازن بين الاهتمام بالآخر والاهتمام بالذات.

 

وهنا ننتقل إلى المبادئ السبعة من التشخيص إلى الفعل، والتي تبدأ من نقاط القوة في الكتاب بأنه لا يتوقف عند تشخيص المشكلة، بل يقدم مجموعة من المبادئ التي تبدأ بالقبول والوعي، ثم تمر بالغضب والاستقلالية والتعلق والتأكيد وتنتهي بالشك أو مراجعة المسلمات، وهذه المبادئ يمكن قراءتها باعتبارها رحلة لاستعادة العلاقة مع الذات.

 

فالقبول يمنع الإنكار والوعي يجعل الإنسان يلاحظ مشاعره والاستقلالية تمنحه مساحة للاختيار والتأكيد يساعده على التعبير عن احتياجاته والتعلق الصحي يمنع العزلة، لكن كلمة “الشفاء” نفسها تحتاج إلى إعادة تعريف؛ فإذا كان المقصود بها الشفاء من نمط نفسي مؤذٍ فهذه المبادئ قد تكون مفيدة كإطار للتأمل والعمل أما إذا فُهمت باعتبارها وصفة قادرة على علاج مرض عضوي فالأمر يصبح مختلفًا تمامًا.

 

في الوقت نفسه، المرض الجسدي يحتاج إلى تشخيص وعلاج طبي مناسب ولا ينبغي أن تحل التنمية النفسية أو التأملات محل الطب، والجانب الأخطر هنا هو تحويل المريض إلى مسؤول عن مرضه وربما تكون هذه هي أهم ملاحظة نقدية يجب توجيهها إلى فلسفة الكتاب؛ فهناك فرق بين أن نقول للمريض “اهتم بنفسك وضع حدودًا وتعلم إدارة التوتر»، وبين أن نقول له ضمنيًا: “مرضك حدث لأنك لم تفعل ذلك”، فالجملة الأولى داعمة أما الثانية فقد تكون قاسية ومؤذية؛ فالمريض لا يحتاج إلى أن يحمل فوق مرضه سؤالًا آخر: هل أنا من تسبب في مرضي؟

 

وهذا ينطبق خصوصًا على الأمراض الخطيرة والمزمنة فالمسؤولية الشخصية عن تحسين جودة الحياة شيء وتحميل الإنسان مسؤولية الإصابة بالمرض شيء آخر تمامًا.

 

ينجح “عندما يقول الجسد لا” في لفت الانتباه إلى قضية غالبًا ما يتم تجاهلها: وهي الطريقة التي نعيش بها مشاعرنا تؤثر في الطريقة التي نعيش بها حياتنا، كما ينجح في ضرب أسطورة “الإنسان الطيب الذي يتحمل كل شيء”، فالتحمل المستمر ليس دائمًا علامة قوة والصمت ليس دائمًا حكمة والتضحية ليست دائمًا حبًا؛ والأهم أنه يفتح بابًا لإعادة تعريف العلاقة مع الجسد بدلًا من أن نراه مجرد آلة يجب أن تعمل ويمكن أن نتعامل معه باعتباره مصدرًا لإشارات تستحق الانتباه: الإرهاق والتوتر واضطراب النوم وفقدان الطاقة وغيرها؛ لكن قراءة هذه الإشارات يجب ألا تعني تفسير كل عرض جسدي باعتباره نتيجة للكبت النفسي؛ فالاستشارة الطبية تظل ضرورية عندما تكون الأعراض مستمرة أو مقلقة.

 

“عندما يقول الجسد لا” كتاب يستحق الاهتمام لأنه يضع سؤالًا مهمًا أمام الإنسان الحديث: وهو ماذا نخسر عندما نعيش طويلًا ضد أنفسنا؟ فقد تكون تكلفة إرضاء الجميع عالية وقد يؤدي غياب الحدود إلى الإرهاق النفسي وقد يصبح كبت المشاعر أسلوب حياة يستنزف الإنسان ويؤثر في علاقاته وجودة حياته، لكن القوة الحقيقية للكتاب لا تحتاج إلى المبالغة في الربط بين الكبت والمرض حتى تصبح مقنعة.

 

الأكثر دقة وإنصافًا أن نقرأه بوصفه دعوة إلى رعاية الإنسان ككل جسده ومشاعره، وعلاقاته وحدوده وحياته الاجتماعية مع الاعتراف بأن الأمراض العضوية لا يمكن اختزالها في الحالة النفسية؛ فالإنسان ليس مسؤولًا عن كل ما يحدث لجسده لكنه مسؤولًا إلى حد كبير عن الطريقة التي يعامل بها نفسه أثناء رحلة الحياة، وربما تكون الرسالة الأعمق التي يمكن الاحتفاظ بها من “عندما يقول الجسد لا” ليست أن المرض هو صوت المشاعر المكبوتة وإنما أن الإنسان يحتاج إلى أن يسمع نفسه قبل أن يتحول الصمت إلى إنهاك.

 

أن تقول “لا” عندما يكون الرفض ضروريًا، وأن تقول “أنا متعب” بدل التظاهر بالقوة وأن تعترف بغضبك بدل دفنه وأن تطلب المساعدة بدل تحمل كل شيء وحدك هذه ليست أنانية بل أشكال من الوعي بالذات، ومع ذلك يظل من الضروري ألا نحول هذه الرسالة إلى عقيدة تقول إن كل مرض له سبب نفسي أو أن كل مريض كان عاجزًا عن وضع الحدود؛ فالمرض ليس عقوبة على شخصية الإنسان والصحة ليست مكافأة على كماله الأخلاقي بل إنها منظومة أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير.

 

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: متى سيقول الجسد لا؟” وإنما: “هل نستطيع أن نسمع أنفسنا قبل أن نصل إلى النقطة التي نحتاج فيها إلى الصراخ؟” وهنا تحديدًا تكمن القيمة الإنسانية الأكبر للكتاب: ليس في تخويفنا من المرض وإنما في تذكيرنا بأن الاعتناء بالنفس لا يبدأ عندما ينهار الجسد بل يبدأ من اللحظة التي ندرك فيها أن الإنسان الذي يعيش طوال الوقت لإرضاء الآخرين قد ينسى في النهاية أن يسأل نفسه عما يريده هو.

 

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

 

______________

 

البطاقة التعريفية للكتاب

العنوان: عندما يقول الجسد لا

المؤلف: الطبيب الكندي جابور ماتيه  (Gabor Maté)

عدد الصفحات: 375 صفحة

ISBN: 9781785042225

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *