في عالم يتسارع فيه كل شيء اصبح كثيرون يعتقدون ان النجاح يقاس بعدد المهام التي يمكن انجازها في الوقت نفسه فترى الموظف يجيب على الرسائل اثناء حضور الاجتماع ويتابع بريده الالكتروني وهو يكتب تقريرا ويتلقى مكالمة هاتفية في اللحظة ذاتها معتقدا انه يحقق اعلى درجات الانتاجية لكن الدراسات الحديثة وتجارب المؤسسات الكبرى تشير الى حقيقة مختلفة تماما وهي ان تعدد المهام ليس دليلا على الكفاءة بل قد يكون سببا مباشرا في انخفاض جودة العمل وزيادة الاخطاء واستنزاف الطاقة الذهنية.
العقل البشري لم يصمم للقيام بعدة اعمال معقدة في الوقت نفسه بل ينتقل بسرعة بين مهمة واخرى وهذا الانتقال المستمر يستهلك جزءا من القدرة الذهنية ويجعل التركيز اضعف مع مرور الوقت وكلما زاد عدد المقاطعات قلت القدرة على التفكير العميق واتخاذ القرارات السليمة لذلك يشعر كثير من الناس في نهاية يوم العمل بالارهاق رغم انهم لم ينجزوا ما كانوا يخططون له والانتاجية الحقيقية لا تقاس بعدد الساعات التي يقضيها الشخص منشغلا ولا بعدد المهام المفتوحة امامه بل بما يحققه من نتائج ذات قيمة فالعمل المتقن يحتاج الى تركيز كامل يمنح العقل فرصة للتحليل والابداع وحل المشكلات بطريقة اكثر فاعلية بينما يؤدي التشتت المستمر الى انجاز سريع في الظاهر لكنه ضعيف في الجودة ويحتاج في كثير من الاحيان الى اعادة المراجعة والتصحيح.
وتؤكد تجارب شركات عالمية ان توفير فترات عمل خالية من المقاطعات يرفع مستوى الاداء ويزيد رضا الموظفين حيث يتم تخصيص ساعات للتركيز الكامل دون اجتماعات او رسائل متكررة مما يمنح العاملين فرصة لانجاز اعمالهم بكفاءة اكبر كما ان بعض المؤسسات شجعت موظفيها على اغلاق الاشعارات اثناء تنفيذ المهام المهمة لتقليل عوامل التشتيت وتحسين جودة النتائج ولا يقتصر اثر التركيز على بيئة العمل فقط بل يمتد الى حياة الطلاب والباحثين واصحاب الاعمال الحرة والشخص الذي يخصص وقتا لمهمة واحدة ويمنحها كامل اهتمامه غالبا ما ينهيها في وقت اقل مقارنة بمن يتنقل بين عدة اعمال في الوقت نفسه كما يكون اكثر قدرة على التعلم واستيعاب المعلومات والاحتفاظ بها لفترة اطول ومن الوسائل الفعالة لتعزيز التركيز وضع قائمة اولويات واضحة والبدء بالمهمة الاكثر اهمية ثم الانتقال الى المهمة التالية بعد الانتهاء منها كما ينصح بتحديد اوقات ثابتة لمراجعة الرسائل والمكالمات بدلا من مقاطعة العمل كل بضع دقائق مع منح العقل فترات راحة قصيرة تساعد على استعادة النشاط والحفاظ على مستوى عال من الانتباه.
والتكنولوجيا التي يفترض ان تسهل حياتنا قد تتحول احيانا الى مصدر دائم للتشتيت بسبب الاشعارات المتواصلة وتدفق المعلومات بلا توقف ولذلك اصبح من الضروري ان يتعلم الانسان كيفية ادارة انتباهه قبل ان يدير وقته فالوقت وحده لا يصنع الانجاز اما التركيز فهو الذي يحول الساعات الى نتائج حقيقية ويبقى التركيز مهارة اساسية في عصر يمتلئ بالمغريات والمقاطعات وكلما استطاع الانسان ان يمنح كل مهمة حقها من الاهتمام زادت جودة عمله وتحسنت قراراته وارتفعت انتاجيته الحقيقية لذلك لم يعد السؤال كم مهمة تستطيع ان تنجز في وقت واحد بل كيف تنجز المهمة الاهم بافضل صورة ممكنة فالنجاح لا يولد من التشتت بل من التركيز الذي يصنع الفارق ويقود الى نتائج اكثر استدامة وجودة وتميزا.