كتب: أحمد سلطان
في كثير من البيوت يتحول العام الدراسي إلى سباق لا ينتهي نحو الدرجات النهائية حتى أصبحت كلمة التفوق مرادفة للمجموع المرتفع فقط لكن مع تطور العالم واحتدام المنافسة في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لم يعد النجاح يقاس بما يحفظه الطالب من معلومات بل بقدرته على التفكير والإبداع وحل المشكلات.
وأكد تقرير برنامج التقييم الدولي للطلاب PISA 2022 الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن التفكير الإبداعي أصبح من المهارات الأساسية التي يحتاجها الطلاب للنجاح في الدراسة والعمل والحياة وأن الأنظمة التعليمية التي تنمي الإبداع تحقق في الغالب مستويات مرتفعة أيضًا في الرياضيات والعلوم والقراءة.
لماذا نحتاج إلى هذا التوازن؟
تشير نتائج دراسة PISA 2022 التي شملت طلابًا من 64 دولة واقتصادًا إلى أن الدول الأعلى أداءً في التفكير الإبداعي مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية وكندا كانت أيضًا من بين الدول المتقدمة أكاديميًا وهو ما يؤكد أن التفوق الدراسي والإبداع ليسا طريقين متعارضين بل يكمل كل منهما الآخر.
كما أوضحت الدراسة أن متوسط أداء طلاب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في التفكير الإبداعي بلغ 33 نقطة بينما حققت سنغافورة 41 نقطة وهي أعلى نتيجة بين جميع الدول المشاركة.
هل التفوق الدراسي يتعارض مع الابتكار؟
الإجابة لا.
وتشير نتائج الدراسة إلى أن الطلاب الذين يتلقون تشجيعًا من معلميهم على تقديم أفكار جديدة والتعبير عن آرائهم يحققون أداءًا أفضل في اختبارات التفكير الإبداعي مقارنة بغيرهم حتى بعد احتساب مستوياتهم في الرياضيات والقراءة.
كما أظهرت النتائج أن المشاركة المنتظمة في أنشطة مثل البرمجة والفنون والكتابة الإبداعية ترتبط بتحسن مهارات التفكير الإبداعي لدى الطلاب.
كيف تصنع طفلًا متفوقًا ومبدعًا؟
اجعل الدراسة وسيلة للفهم وليس للحفظ فقط.
خصص وقتًا أسبوعيًا للتجارب العلمية والأنشطة العملية.
شجع ابنك على طرح الأسئلة والبحث عن الإجابات بنفسه.
وفر له كتبًا علمية وقصصًا تثري خياله.
اسمح له بالخطأ لأن الابتكار يولد من كثرة المحاولات.
امدحه على التفكير والاجتهاد وليس على الدرجات فقط.
شجعه على المشاركة في مسابقات العلوم والروبوت والبرمجة والبحث العلمي.
البيئة الأسرية تصنع الفارق
تُشير تحليلات حديثة لبيانات PISA 2022 إلى أن البيئة المنزلية الغنية بالكتب والأنشطة الثقافية والوسائل التعليمية والموارد الرقمية ترتبط بارتفاع مستويات التفكير الإبداعي لدى الأبناء وأن التعرض للخبرات العملية داخل المنزل وخارجه يسهم في بناء شخصية أكثر قدرة على الابتكار.
أخطاء تربوية تقتل الإبداع
ربط قيمة الطفل بدرجاته فقط وملء يومه بالدروس دون وقت للعب أو التجربة وكذلك السخرية من كثرة الأسئلة وأيضاً مقارنته المستمرة بغيره ومعاقبته عند فشل التجربة.
وتؤكد الدراسات التربوية أن الخوف من الخطأ يقلل من قدرة الطفل على التجربة والاستكشاف وهما أساس أي عملية ابتكار.
دور المدرسة
أكد تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن ما بين 60 و70 بالمئة من الطلاب في دول المنظمة أفادوا بأن معلميهم يشجعونهم على تقديم أفكار أصلية والتعبير عن آرائهم وأن هؤلاء الطلاب يحققون نتائج أفضل في التفكير الإبداعي مقارنة بغيرهم وأوضح التقرير أن نحو 90 بالمئة من مديري المدارس يؤمنون بأن الإبداع مهارة يمكن تدريب الطلاب عليها وليس موهبة فطرية فقط.
وقال الله تعالى ﴿وقل رب زدني علمًا﴾ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة.
نماذج ملهمة
العالم المصري أحمد زويل لم يصل إلى جائزة نوبل بالحفظ وحده بل بالبحث والتجريب المستمر.
وتوماس إديسون سجل أكثر من ألف براءة اختراع بعد آلاف المحاولات الفاشلة التي اعتبرها خطوات نحو النجاح.
وفي النهاية، لم يعد الهدف من التعليم في القرن الحادي والعشرين أن يحصل الطفل على أعلى الدرجات فقط بل أن يمتلك عقلًا قادرًا على التفكير والإبداع وحل المشكلات وتؤكد أحدث الدراسات الدولية أن الجمع بين التفوق الدراسي وتنمية الابتكار هو الطريق الأمثل لإعداد جيل يقود المستقبل ويصنع المعرفة بدلًا من الاكتفاء بحفظها.