قراءة في كتاب “المرونة العاطفية”.. حين نتعلم أن نشعر دون أن نُستَعبد لمشاعرنا — سوزان ديفيد (Susan David)

تمهيد:

يبدأ كل كتاب بسؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

في كتابها “Emotional Agility: Get Unstuck, Embrace Change, and Thrive in Work and Life” — “المرونة العاطفية”، تقترب عالمة النفس سوزان ديفيد من واحدة من أكثر مناطق التجربة الإنسانية حساسية: علاقتنا بمشاعرنا.

فالإنسان لا يعيش حياته بالعقل وحده، كما أنه لا يستطيع أن يترك مشاعره تقوده في كل اتجاه، وبين الاثنين توجد مساحة دقيقة تحتاج إلى مهارة؛ أن يشعر الإنسان بما يحدث داخله، وأن يفهمه، من دون أن يصبح أسيراً له.

وهنا تأتي الفكرة المركزية للكتاب: المرونة العاطفية لا تعني التخلص من المشاعر الصعبة، وإنما تعلم كيفية التعامل معها بوعي، بحيث تصبح المعلومات التي تقدمها لنا المشاعر جزءاً من عملية اتخاذ القرار، لا أوامر يجب تنفيذها بلا تفكير.

وتعرض ديفيد منهجها في أربعة تحركات أساسية: مواجهة التجربة، ثم أخذ مسافة منها، ثم تحديد القيم التي نريد أن تقود حياتنا، وأخيراً التحرك بما يتوافق معها.

ومن هنا يبدأ الكتاب من مشكلة تبدو شائعة إلى درجة أننا لا نلاحظها: ماذا نفعل عندما نشعر بالخوف؟ كيف نتعامل مع الغضب؟ ماذا نفعل بالحزن؟ وهل محاولة التخلص السريع من المشاعر المزعجة تجعلنا بالفعل أكثر راحة، أم أنها تؤجل المشكلة إلى وقت آخر؟

ترى ديفيد أن الثقافة الحديثة كثيراً ما تدفعنا إلى البحث عن الراحة النفسية الفورية؛ نريد أن نكون سعداء، وأن نتخلص من القلق، وأن نفكر بإيجابية، وأن نبدو متماسكين حتى عندما تكون حياتنا الداخلية بعيدة تماماً عن ذلك، لكن المشاعر السلبية ليست بالضرورة عدواً ينبغي القضاء عليه.

فالحزن قد يخبرنا أن شيئاً مهماً فقدناه، والغضب قد يشير إلى تجاوز حدود نعتبرها مهمة، والخوف قد ينبهنا إلى خطر محتمل، والشعور بالذنب قد يكشف تعارضاً بين سلوكنا وقيمنا والمشكلة ليست في وجود هذه المشاعر، وإنما في أن نسمح لها بأن تتحول إلى قائد وحيد لحياتنا.

وتضع ديفيد فاصلاً مهماً بين الشعور والقرار، وأن تشعر بالغضب لا يعني بالضرورة أن تتصرف بغضب، وأن تشعر بالخوف لا يعني أن تهرب، وأن تشعر بالإحباط لا يعني أن تتخلى عن هدفك.

“المشاعر بيانات، لكنها ليست تعليمات”، وهذه الفكرة تبدو بسيطة، لكنها في الواقع تمس واحدة من أكثر العادات النفسية شيوعاً: أن نخلط بين ما نشعر به وبين ما يجب علينا فعله، ومن هنا تأتي أولى خطوات المرونة العاطفية: الظهور أو المواجهة — Showing Up، وتعني أن نتوقف عن الهروب من التجربة الداخلية، وأن نمنح مشاعرنا فرصة لأن تُرى وتُفهم بدلاً من قمعها أو إنكارها.

وتؤكد ديفيد أن هذا لا يعني الاستسلام للحزن أو الغضب، وإنما النظر إليهما بفضول ورحمة ووعي، فالإنسان الذي يقول لنفسه باستمرار: “لا يجب أن أشعر بهذا”، قد يجد نفسه عالقاً في صراع إضافي؛ ليس فقط لأنه يعاني من المشكلة، وإنما لأنه يحارب شعوره تجاه المشكلة، وهنا تنتقل المؤلفة إلى خطوة أكثر دقة: الخروج خطوة إلى الوراء — Stepping Out.

والمطلوب ليس أن نطرد أفكارنا ومشاعرنا، بل أن نخلق مسافة بينها وبين أنفسنا. بدلاً من أن يقول الإنسان: “أنا فاشل”، يمكنه أن يقول: “أنا أشعر الآن بأنني فاشل”، فالفرق بين الجملتين صغير في الكلمات، لكنه كبير في المعنى؛ الأولى تجعل الشعور هوية، أما الثانية فتجعله تجربة مؤقتة يمكن مراقبتها وفهمها، وهذا الفصل بين الإنسان ومشاعره يمنحه مساحة للحركة.

فالفكرة التي تمر في رأسك ليست بالضرورة حقيقة، والشعور الذي يسيطر عليك الآن ليس بالضرورة تعريفاً نهائياً لك، ومن هذه المسافة تبدأ الحرية.

لكن المرونة العاطفية، في نظر ديفيد، لا تعني أن نراقب مشاعرنا إلى الأبد، فالوعي الذي لا يقود إلى فعل قد يتحول هو الآخر إلى دائرة من التفكير، ولذلك تنتقل إلى السؤال الأهم: ما الذي نريد أن نكون عليه؟

وتظهر الخطوة الثالثة: السير وفق قيمك — Walking Your Why، فالقيم ليست أهدافاً نصل إليها ثم ننتهي منها، وإنما اتجاهات نريد أن يتحرك إليها سلوكنا. قد يكون الإنسان يريد أن يكون أباً حاضراً، أو صديقاً وفياً، أو قائداً عادلاً، أو شخصاً يتعامل مع الآخرين باحترام.

والأهداف يمكن أن تنتهي، أما القيم فتظل بمثابة بوصلة، وهنا تصبح المرونة العاطفية أكثر من مجرد تقنية للتعامل مع الحزن والقلق؛ تصبح طريقة لاتخاذ القرارات، فقد أشعر بالخوف، لكن إذا كانت الشجاعة قيمة مهمة بالنسبة إليّ، فقد أختار أن أتحرك رغم الخوف.

وقد أشعر بالغضب، لكن إذا كانت علاقتي بالآخرين تقوم على الاحترام، فقد أقرر أن أؤجل الرد حتى أستطيع التعبير عن غضبي دون تدمير العلاقة، وبذلك لا تطلب ديفيد من الإنسان أن يصبح شخصاً بلا مشاعر، بل شخصاً يستطيع أن يتحرك رغم مشاعره، وبما يتفق مع ما يراه مهماً.

أما الخطوة الرابعة فهي التحرك إلى الأمام — Moving On، أي تحويل الوعي إلى تغييرات عملية في السلوك والعادات والتفاعلات اليومية، فالقيمة الحقيقية للمرونة لا تظهر عندما نفهم أنفسنا فقط، وإنما عندما نبدأ في التصرف بطريقة مختلفة.

وتصبح المرونة العاطفية مرتبطة أيضاً بفكرة التغيير، فالإنسان المرن ليس من لا يتألم، وإنما من يستطيع أن يتكيف عندما تتغير الظروف، وأن يعيد ترتيب خطواته دون أن يفقد الاتجاه الذي يؤمن به.

وهذه النقطة تحديداً تمنح الكتاب بعداً يتجاوز الحياة الشخصية إلى العمل والعلاقات والقيادة؛ فالإنسان في بيئة العمل مثلاً قد يواجه نقداً أو فشلاً أو ضغطاً، ولا يستطيع دائماً تغيير الظروف الخارجية، لكنه يستطيع أن يغير الطريقة التي يتعامل بها معها.

وتؤكد المصادر الرسمية للكتاب أن ديفيد تبني منهجها على أكثر من عقدين من البحث في المشاعر، إلى جانب خبرتها المهنية والاستشارية، وأن الكتاب يستهدف مساعدة القارئ على التعامل مع التغيير والضغوط بدلاً من الوقوع في أنماط نفسية تعيقه.

وهنا تظهر قيمة أخرى مهمة في الكتاب: رفض “الإيجابية السامة”، فليس المطلوب أن نقنع أنفسنا دائماً بأن كل شيء على ما يرام، وليس النضج النفسي أن نبتسم في وجه كل أزمة ونكرر لأنفسنا أن علينا أن نكون إيجابيين.

أحياناً يكون الحزن هو الاستجابة الصحيحة للحزن، والغضب استجابة مفهومة للظلم، والخوف إشارة تستحق الانتباه، والمشكلة تبدأ عندما نسمح لهذه المشاعر بأن تتحول إلى سجن، ولهذا تبدو المرونة العاطفية في جوهرها عملية توازن: لا إنكار للمشاعر، ولا استسلام لها.

فالإنسان الذي يقمع مشاعره يفقد معلومات مهمة عن نفسه، والإنسان الذي يطيع كل مشاعره يفقد القدرة على توجيه حياته، وبين القمع والاستسلام توجد مساحة تسميها ديفيد المرونة.

خلاصة الكتاب في نقاط:

. المشاعر ليست عدواً يجب التخلص منه، بل معلومات تحتاج إلى الفهم.

. لا يجب الخلط بين الشعور وبين الحقيقة أو القرار.

. المرونة العاطفية تعني التعامل مع المشاعر بوعي بدلاً من الهروب منها.

. مواجهة المشاعر الصعبة أفضل من إنكارها أو دفنها.

. أخذ مسافة من الأفكار يساعد الإنسان على عدم الوقوع أسيراً لها.

. القيم الشخصية يمكن أن تكون بوصلة لاتخاذ القرارات في الأوقات الصعبة.
. الأهداف قد تتغير، لكن القيم تحدد الاتجاه الذي نريد أن نسير فيه.

. التغيير الحقيقي يبدأ عندما يتحول الوعي إلى سلوك.

. الإنسان المرن عاطفياً لا يخلو من الخوف والحزن والغضب، لكنه يعرف كيف يتعامل معها.

. الحياة الجيدة ليست حياة خالية من المشاعر المؤلمة، وإنما حياة يستطيع الإنسان أن يتحرك فيها رغم الألم وبما يتفق مع قيمه.

ويناسب الكتاب كل من يشعر أنه عالق داخل مشاعر أو أفكار تتكرر، وكل من يريد فهماً عملياً لعلاقته بنفسه وبقراراته، كما يناسب العاملين في الإدارة والقيادة، والآباء، والمعلمين، والمهتمين بعلم النفس وتطوير الذات، والأشخاص الذين يواجهون تغييرات مهنية أو شخصية ويريدون طريقة أكثر نضجاً للتعامل معها.

وتأتي قوة الكتاب من قدرته على الجمع بين البحث النفسي والتطبيق العملي، فالمؤلفة لا تكتفي بالحديث عن المشاعر باعتبارها مفاهيم نظرية، وإنما تقدم إطاراً واضحاً يمكن للقارئ استخدامه لفهم ما يحدث داخله ثم اختيار طريقة أكثر وعياً للاستجابة.

كما أن الكتاب يتميز بلغة قريبة من القارئ، ويطرح فكرة مهمة في زمن تنتشر فيه الدعوات إلى التفكير الإيجابي بصورة مبسطة: ليس المطلوب أن تشعر دائماً بالراحة، وإنما أن تكون قادراً على التعامل مع ما تشعر به دون أن تفقد اتجاهك.

وقد حصل الكتاب على انتشار واسع، وتصفه دار النشر بأنه من الكتب الأكثر مبيعاً، كما حازت ديفيد جائزة Thinkers50 Breakthrough Idea Award، وانتشر حديثها عن المرونة العاطفية عبر محاضرة TED التي حظيت بملايين المشاهدات.

ويمكن القول إن الكتاب، رغم قوته العملية، ينتمي جزئياً إلى أدبيات تطوير الذات، ولذلك قد يجد القارئ المتخصص أن بعض الأفكار تحتاج إلى مناقشة علمية أكثر تفصيلاً من المساحة التي يمنحها لها الكتاب.

كما أن تحويل إطار نفسي إلى خطوات واضحة قد يوحي أحياناً بأن التعامل مع المشاعر أكثر سهولة مما هو عليه في الواقع؛ فهناك ظروف وتجارب إنسانية شديدة التعقيد لا يمكن اختزالها في مجموعة من الخطوات وحدها.

ومن الملاحظات التي يمكن مناقشتها أيضاً أن مفهوم المرونة العاطفية، رغم أهميته، يجب ألا يتحول إلى مسؤولية فردية مطلقة؛ فليس كل اضطراب عاطفي ناتجاً عن طريقة تفكير الفرد، إذ يمكن للبيئة الاجتماعية والمهنية والاقتصادية والعلاقات المحيطة أن تلعب دوراً كبيراً في تشكيل التجربة النفسية.

وهنا يفتح الكتاب سؤالاً مهماً: إلى أي حد يجب أن نطلب من الإنسان أن يتكيف مع الظروف، ومتى يصبح المطلوب هو تغيير الظروف نفسها؟

فقد يكون الإنسان بحاجة أحياناً إلى المرونة، لكنه قد يكون بحاجة في أحيان أخرى إلى وضع حدود، أو ترك بيئة مؤذية، أو تغيير قرار، أو طلب مساعدة متخصصة.

وهذه النقطة تجعل قراءة الكتاب أكثر نضجاً؛ فالمرونة ليست أن تتحمل كل شيء، وإنما أن تعرف ما الذي يستحق التحمل، وما الذي يحتاج إلى التغيير، وربما تكون أجمل أفكار الكتاب أن الإنسان لا يحتاج إلى الفوز في معركته مع مشاعره؛ لأنه لم يكن من المفترض أن تكون المشاعر خصماً له من البداية.

وعندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.

قيمة كتاب “المرونة العاطفية” لا تكمن في وعده بحياة خالية من الألم، وإنما في رفضه لهذا الوعد من الأساس، فالحياة لن تتوقف عن مفاجأتنا، والخسارات لن تختفي، والخوف سيظل حاضراً في بعض اللحظات، والغضب سيزورنا، والشك سيظهر من جديد. لكن الإنسان يستطيع أن يتعلم ألا يجعل كل شعور يمر به يقرر مستقبله نيابة عنه.

وفي النهاية، ربما لا تكون القوة الحقيقية في أن نقول: “أنا لا أشعر بالخوف”، وإنما في أن نقول: “أنا أشعر بالخوف، ومع ذلك أعرف إلى أين أريد أن أذهب.”

وهنا تحديداً تكتسب المرونة العاطفية معناها؛ أن نمنح مشاعرنا حقها في أن تُسمع، لكن لا نعطيها دائماً حق قيادة الطريق.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

حقوق النشر

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه.

وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة للمؤلفة وناشرها، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

البطاقة التعريفية للكتاب:

العنوان:
Emotional Agility: Get Unstuck, Embrace Change, and Thrive in Work and Life
المرونة العاطفية

المؤلف: سوزان ديفيد (Susan David)

دار النشر: Avery / Penguin Random House

بلد النشر: الولايات المتحدة الأمريكية

الطبعة: الطبعة الأولى

سنة النشر: 2016

عدد الصفحات: 288 صفحة في الطبعة الأمريكية الصادرة عن Avery. وتختلف عدد الصفحات باختلاف الطبعة؛ فبعض الطبعات البريطانية تسجل 272 أو 288 صفحة.

رقم الإيداع: يختلف حسب الدولة والطبعة.

ISBN:
9781592409495 للطبعة الأمريكية الصادرة عن Avery.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *