الوقت هو رأس المال الحقيقي في بيئة العمل وكل دقيقة تمر دون إنجاز تمثل جزءا من فرصة كان يمكن استثمارها في تطوير الأداء وتحقيق نتائج أفضل ومع ذلك يتعرض الموظف يوميا لعدد كبير من المشتتات والعادات التي تسرق ساعات العمل دون أن يشعر وهي ما يمكن وصفها بلصوص الوقت و لصوص الوقت لا يدخلون إلى مكان العمل في صورة أشخاص يسرقون الساعات والدقائق بل يظهرون في سلوكيات بسيطة تتكرر يوميا حتى تتحول إلى عادة تبدأ بمكالمة طويلة أو تصفح سريع للهاتف أو حديث جانبي مع أحد الزملاء ثم يكتشف الموظف في نهاية اليوم أن ساعات طويلة مرت بينما ظلت المهام الأساسية دون إنجاز ويعد الهاتف المحمول أحد أبرز لصوص الوقت في العصر الحديث فالإشعارات المستمرة والرسائل ومواقع التواصل الاجتماعي تدفع الموظف إلى قطع تركيزه مرات عديدة خلال اليوم وقد يبدأ الأمر بدقائق قليلة لمتابعة خبر أو رسالة لكنه يتحول إلى وقت طويل من التصفح غير المخطط له.
ولا تكمن المشكلة فقط في الوقت الذي يستغرقه استخدام الهاتف بل في فقدان التركيز بعد العودة إلى العمل فالعقل يحتاج إلى وقت لاستعادة الانتباه والاندماج من جديد في المهمة وهو ما يجعل المقاطعات المتكررة سببا رئيسيا في انخفاض الإنتاجية وتأتي الاجتماعات غير المنظمة ضمن قائمة لصوص الوقت خاصة عندما تعقد دون هدف واضح أو جدول محدد للنقاش فقد يقضي الموظفون ساعات في مناقشات طويلة يمكن حسمها خلال دقائق أو من خلال رسالة عمل مختصرة ولذلك يجب أن يكون لكل اجتماع هدف ووقت محدد ونتائج واضحة وتمثل الأحاديث الجانبية داخل مكان العمل أحد مصادر إهدار الوقت ورغم أهمية التواصل بين الزملاء وبناء علاقات جيدة فإن المبالغة في النقاشات الشخصية والحديث المستمر عن موضوعات بعيدة عن العمل قد تستهلك جزءا كبيرا من اليوم وتؤثر على تركيز الآخرين أيضا.
ويعتبر غياب التخطيط من أخطر لصوص الوقت لأن الموظف الذي يبدأ يومه دون معرفة المهام المطلوبة قد ينتقل بين الأعمال بصورة عشوائية وينشغل بالأمور السهلة ويؤجل المهام المهمة حتى نهاية اليوم وعندها يشعر بأن الوقت لم يكن كافيا رغم أن المشكلة الحقيقية كانت في طريقة إدارته ومن لصوص الوقت أيضا تعدد المهام في اللحظة نفسها فالبعض يعتقد أن تنفيذ أكثر من عمل في وقت واحد يزيد الإنتاجية لكن الانتقال المستمر بين المهام قد يؤدي إلى تشتيت الذهن وزيادة الأخطاء وإطالة وقت الإنجاز ولذلك يكون التركيز على مهمة واحدة ثم الانتقال إلى المهمة التالية أكثر فاعلية و يسرق التردد جزءا كبيرا من وقت العمل فالتفكير الطويل قبل اتخاذ القرارات البسيطة والخوف من تحمل المسؤولية قد يؤديان إلى تعطيل المهام وتأخير المشروعات وفي بعض الحالات يقضي الموظف وقتا أطول في التفكير في المهمة مقارنة بالوقت الذي تحتاج إليه للتنفيذ.
ويعد البحث المستمر عن الكمال من لصوص الوقت الخفية فقد يراجع الموظف العمل مرات كثيرة ويعيد تعديل تفاصيل بسيطة لا تؤثر بصورة حقيقية على النتيجة النهائية ورغم أن الجودة مطلوبة فإن المبالغة في الوصول إلى المثالية قد تعطل الإنجاز وتؤخر تسليم الأعمال وتكشف مراقبة يوم العمل عن لصوص الوقت بسهولة ويمكن للموظف تسجيل الأنشطة التي يقوم بها خلال عدة أيام ومراجعة الوقت الذي يستغرقه كل نشاط وعندها قد يكتشف أن جزءا كبيرا من يومه يضيع في الهاتف أو المحادثات أو الاجتماعات أو الانتقال بين المهام دون تحقيق تقدم واضح والتخلص من لصوص الوقت يبدأ بوضع خطة يومية تحدد أهم المهام المطلوب إنجازها مع ترتيبها وفقا للأولوية ويجب البدء بالأعمال الأكثر أهمية في الأوقات التي يكون فيها مستوى التركيز مرتفعا وعدم ترك المهام الأساسية إلى نهاية اليوم.
كما يساعد تحديد وقت لكل مهمة على زيادة الالتزام فعندما يعرف الموظف أن أمامه فترة محددة لإنجاز عمل معين يصبح أكثر تركيزا وأقل ميلا إلى الانشغال بالمشتتات ويمكن أيضا تخصيص فترات قصيرة للراحة حتى يستعيد العقل نشاطه ويواصل العمل بكفاءة ومن المهم وضع حدود واضحة للمقاطعات غير الضرورية من خلال إبلاغ الزملاء بأوقات التركيز وتأجيل الأحاديث الشخصية إلى فترات الراحة وتنظيم متابعة الرسائل والمكالمات بدلا من الاستجابة لكل إشعار فور وصوله وتلعب بيئة العمل دورا مهما في حماية وقت الموظفين فالإدارة الناجحة تعمل على تقليل الاجتماعات غير الضرورية وتوضيح المسؤوليات وتبسيط الإجراءات واستخدام وسائل التواصل المناسبة بما يساعد العاملين على التركيز في المهام الأساسية.
و يجب نشر ثقافة احترام الوقت داخل المؤسسات لأن إهدار وقت موظف واحد قد يؤثر على فريق كامل خاصة عندما تكون المهام مترابطة ولذلك فإن الالتزام بالمواعيد وسرعة اتخاذ القرارات وتحديد المسؤوليات تمثل عناصر أساسية في بناء بيئة عمل أكثر إنتاجية و إن اكتشاف لصوص الوقت يحتاج إلى قدر من المراجعة اليومية والصدق مع النفس فكل موظف يعرف في داخله العادات التي تستهلك وقته لكنه قد يتجاهل تأثيرها ومع تكرارها تتحول الدقائق الضائعة إلى ساعات والأيام غير المنظمة إلى فرص مهدرة وإن التخلص من لصوص الوقت لا يعني العمل دون راحة أو تحويل يوم الموظف إلى سباق مستمر بل يعني استخدام ساعات العمل بوعي وتحقيق التوازن بين التركيز والراحة فالوقت الذي نحسن استثماره اليوم يتحول إلى إنجاز وخبرة ونجاح في المستقبل ومن ينجح في حماية وقته ينجح في حماية مستقبله المهني.