قراءة فى كتاب «الربح على حساب الناس – النيوليبرالية والنظام العالمي» – نعوم تشوميسكي

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.

هذه الصفحات ليست اختصارًا للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح بابًا للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.

كتاب «الربح على حساب الناس – النيوليبرالية والنظام العالمي» يُعد من أبرز الأعمال النقدية التي تناولت ظاهرة النيوليبرالية باعتبارها النموذج الاقتصادي والسياسي المهيمن منذ سبعينيات القرن العشرين، والذي أعاد تشكيل العالم وفق منطق السوق والربح على حساب العدالة الاجتماعية والحقوق الأساسية.

الفكرة الجوهرية التي يطرحها الكتاب هي أن النيوليبرالية ليست مجرد سياسة اقتصادية، بل هي مشروع شامل يعيد صياغة علاقة الدولة بالمجتمع، ويحوّل المواطن إلى مستهلك، ويضع مصالح الشركات الكبرى فوق مصالح الشعوب.

ومن هنا فإن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي نشهدها ليست مجرد إخفاقات عرضية، بل هي نتيجة طبيعية لبنية النظام النيوليبرالي.

الكتاب يبدأ بتشخيص جذور النيوليبرالية، موضحًا أنها ظهرت كرد فعل على أزمة الرأسمالية في السبعينيات، حيث تبنّت حكومات مثل حكومة تاتشر في بريطانيا وريغان في الولايات المتحدة سياسات الخصخصة، تحرير الأسواق، تقليص دور الدولة، وإضعاف النقابات العمالية.

هذه السياسات سرعان ما انتشرت عالميًا عبر مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لتصبح النموذج السائد في إدارة الاقتصاد العالمي.

ثم ينتقل الكتاب إلى تحليل آثار النيوليبرالية على المجتمعات: اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، تراجع الخدمات العامة مثل التعليم والصحة، تزايد البطالة غير المستقرة، وتحويل الحقوق الاجتماعية إلى امتيازات مشروطة بالقدرة على الدفع.

ويؤكد أن هذه السياسات لم تؤدِّ إلى النمو الشامل كما وعدت، بل إلى تركيز الثروة في أيدي قلة صغيرة، وإلى أزمات مالية متكررة مثل أزمة 2008.

من أبرز النقاط التي يناقشها الكتاب أن النيوليبرالية ليست مجرد اقتصاد، بل هي ثقافة أيضًا، إذ تعيد تشكيل القيم والسلوكيات، وتجعل الفرد يحمّل نفسه مسؤولية الفشل بدلًا من مساءلة النظام.

فالفرد يُدفع إلى الاعتقاد أن نجاحه أو فشله مرهون بجهده الشخصي، بينما تُخفى البنية غير العادلة التي تحدد فرصه مسبقًا.

الكتاب يوضح أن النيوليبرالية أدت إلى تآكل الديمقراطية، لأن القرارات الاقتصادية الكبرى لم تعد تُتخذ عبر المؤسسات المنتخبة، بل عبر الأسواق العالمية والشركات متعددة الجنسيات.

وهذا ما يجعل السيادة الوطنية مهددة، ويحوّل السياسة إلى إدارة للأزمات بدلًا من صناعة للبدائل.

الخلاصة أن النيوليبرالية ليست حتمية، وأن هناك بدائل تقوم على إعادة الاعتبار للديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية، مثل تعزيز دور الدولة في حماية الحقوق، دعم الاقتصاد التعاوني، وتوسيع المشاركة الشعبية في صنع القرار.

هذا الكتاب يناسب الباحثين في الاقتصاد السياسي، والنشطاء الاجتماعيين، وكل من يسعى لفهم جذور الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة، والبحث عن بدائل واقعية للنظام النيوليبرالي.

من نقاط القوة أن أسلوبه يجمع بين التحليل النظري العميق والطرح العملي الواضح، ويقدم رؤية متكاملة تربط بين الاقتصاد والسياسة والثقافة.

كما أنه يستند إلى خبرة واسعة في دراسة الأزمات العالمية، ويعرض أمثلة واقعية من مختلف الدول.

أما نقاط الضعف فتتمثل في أن بعض الطروحات قد تبدو مثالية أو صعبة التطبيق في ظل هيمنة الشركات العملاقة والعولمة الاقتصادية، كما أن الكتاب لا يقدم خطة تفصيلية لكيفية الانتقال من النظام الحالي إلى البدائل الديمقراطية.

الكتاب يفتح بابًا للتساؤل: هل يمكن أن تنهار النيوليبرالية كما انهارت نماذج سابقة؟ وهل يكفي أن تبدأ التجارب البديلة على نطاق محلي لتنتشر عالميًا؟ أم أن الأمر يحتاج إلى تحولات سياسية كبرى تفرض إعادة توزيع السلطة والثروة؟

عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية، ويصبح القارئ أمام تحدي التفكير في بدائل للرأسمالية النيوليبرالية التي تحكم العالم اليوم.

وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.

العنوان: الربح على حساب الناس – النيوليبرالية والنظام العالمي
المؤلف: مجموعة من الباحثين في الاقتصاد السياسي (ترجمة عربية لكتاب جماعي)
دار النشر: دار الفاروق للنشر والتوزيع – القاهرة
سنة النشر: 2015 (الطبعة العربية)
عدد الصفحات: 320 صفحة
ISBN: ‎978-977-455-567-1

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه.

وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلفي الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *