عندما تتحول طريقة التفكير إلى مفتاح للنجاح ماذا تكشف كارول دويك في كتاب العقلية

تمهيد:

كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها المؤلف، ثم يعيد كل قارئ اكتشافها بطريقته الخاصة. وهذه الصفحات ليست اختصارًا للكتاب ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتضعها في سياق الحياة اليومية، لأن بعض الأفكار لا تغير الواقع مباشرة، لكنها تغير الطريقة التي ننظر بها إليه، وحين تتغير زاوية النظر تتغير القرارات وتتبدل النتائج. ومن هنا يأتي كتاب «العقلية» لعالمة النفس الأمريكية كارول دويك، ليطرح واحدة من أكثر الأفكار تأثيرًا في فهم النجاح والتعلم، وهي أن قدرات الإنسان لا تتحدد فقط بما يمتلكه من ذكاء أو موهبة، وإنما بالطريقة التي ينظر بها إلى قدراته وإمكاناته وحدوده.

هل أنت كما أنت إلى الأبد؟

تنطلق كارول دويك من سنوات طويلة من البحث لتقدم مفهومًا بسيطًا في ظاهره، لكنه عميق في تأثيره، إذ تميز بين نمطين رئيسيين من التفكير. هناك من يرى أن الذكاء والموهبة والقدرات صفات ثابتة، وأن الإنسان يولد بقدر معين منها ثم يعيش ضمن حدودها، وهناك من يؤمن بأن القدرات يمكن أن تتطور من خلال التعلم والممارسة والتجربة والعمل المستمر. وبين هذين التصورين يتشكل اختلاف كبير في الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع الفشل والنجاح والتحديات والفرص.

عندما يصبح الذكاء فخًا

قد يبدو الاعتقاد بأن الإنسان ذكي وموهوب أمرًا إيجابيًا، لكن دويك تكشف جانبًا آخر من المسألة. فعندما تصبح صورة الإنسان عن نفسه مرتبطة بضرورة الظهور كشخص ذكي دائمًا، قد يبدأ في تجنب كل موقف يمكن أن يكشف جهله أو نقاط ضعفه. وهكذا يتحول الحرص على إثبات الذكاء إلى عائق أمام التعلم، لأن الشخص يصبح أكثر اهتمامًا بالحفاظ على صورته من اهتمامه بتطوير نفسه.

أما الشخص الذي يرى أن قدراته قابلة للنمو، فإنه يستطيع أن يدخل التجربة دون خوف كبير من الخطأ، لأنه لا يعتبر الفشل حكمًا نهائيًا على قدراته، بل معلومة جديدة تساعده على معرفة ما يحتاج إلى تطويره.

كلمة واحدة قد تصنع عقلية مختلفة

تتوقف دويك عند عالم الأطفال لتوضح مدى تأثير الكلمات التي يسمعونها في سنواتهم الأولى. فالطفل الذي يسمع باستمرار أنه «عبقري» قد يبدأ في حماية هذه الصورة، فيبتعد عن التحديات التي يمكن أن تجعله يبدو أقل ذكاءً. أما عندما يتم تقدير جهده وطريقة تعامله مع المشكلة واستمراره في المحاولة، فإن الرسالة التي تصل إليه تكون مختلفة تمامًا: النجاح ليس مجرد نتيجة، وإنما رحلة من التعلم والتجربة.

وهنا تظهر مسؤولية الآباء والمعلمين، فالكلمات التي تبدو عابرة قد تتحول مع الوقت إلى معتقدات داخلية تحدد الطريقة التي ينظر بها الطفل إلى نفسه عندما يكبر ويواجه أول اختبار حقيقي لقدراته.

الفشل.. مرآة أم جدار؟

تختلف ردة فعل الإنسان تجاه الفشل بحسب العقلية التي يحملها. فالشخص الذي يرى قدراته ثابتة قد يعتبر الهزيمة دليلًا على أنه غير موهوب، وربما يتوقف عن المحاولة حتى لا يكرر التجربة المؤلمة. أما صاحب العقلية النامية فيتعامل مع النتيجة بطريقة مختلفة، فيسأل: ماذا يمكنني أن أتعلم من هذه التجربة؟ وما الذي أحتاج إلى تغييره في المحاولة القادمة؟

وبهذا المعنى يتحول الفشل من جدار يغلق الطريق إلى مرآة تكشف نقاط الضعف التي تحتاج إلى تطوير. لا يعني ذلك أن كل محاولة ستنجح، وإنما يعني أن الخسارة لا تتحول إلى هوية تلاحق الإنسان في كل خطوة جديدة.

في المدرسة.. النجاح ليس في الدرجة فقط

يمتد تأثير هذه الفكرة إلى التعليم، حيث يمكن لطريقة تقييم الطالب أن تؤثر في علاقته بالتعلم نفسه. فإذا أصبح الهدف هو الحصول على أعلى درجة فقط، فقد يبدأ الطالب في اختيار المهام السهلة التي تضمن له النجاح، ويتجنب الأسئلة الصعبة خوفًا من الخطأ. لكن عندما تصبح عملية التعلم أهم من إثبات التفوق، يصبح الخطأ جزءًا طبيعيًا من الرحلة.

وهنا تتغير علاقة الطالب بالفشل؛ فلا يعود الخطأ دليلًا على أنه غير قادر، وإنما يصبح فرصة لمعرفة ما لم يفهمه بعد، وهو تحول بسيط في التفكير يمكن أن يغير طريقة تعامله مع المعرفة لسنوات طويلة.

بيئة العمل.. حين يصبح الخطأ عدوًا للإبداع

لا تتوقف أفكار الكتاب عند حدود المدرسة، بل تنتقل إلى أماكن العمل والمؤسسات. فالمؤسسات التي تجعل الموظف يشعر بأن أي خطأ قد يعرضه للعقاب تدفعه بصورة غير مباشرة إلى تجنب المخاطرة، وقد يؤدي ذلك إلى تراجع الإبداع والابتكار. أما البيئات التي تسمح بالتجربة وتتعامل مع الخطأ باعتباره فرصة للتعلم، فإنها تمنح العاملين مساحة أكبر للاقتراح والمحاولة واكتشاف حلول جديدة.

فالابتكار يحتاج إلى مساحة يمكن فيها للإنسان أن يقول «لا أعرف» أو «ربما أخطأت» دون أن يشعر بأن اعترافه سيستخدم ضده.

الأبطال لا يولدون دائمًا أبطالًا

تقدم دويك نماذج من عالم الرياضة لتوضح أن الفارق بين الناجحين وغيرهم لا يرتبط دائمًا بحجم الموهبة التي يمتلكها الشخص عند البداية، وإنما بالطريقة التي يتعامل بها مع التدريب والهزيمة. فالرياضي الذي يرى الخسارة إثباتًا بأنه ليس جيدًا بما يكفي قد يفقد حماسه، بينما الرياضي الذي يراها جزءًا من عملية التعلم يعود إلى التدريب وهو يبحث عن الخطأ الذي يحتاج إلى إصلاحه.

وهكذا لا تصبح الهزيمة نهاية القصة، وإنما فصلًا من فصولها، وقد يكون الفصل الذي يسبق أفضل أداء يقدمه الإنسان في حياته.

حتى العلاقات يمكن أن تتغير

تمتد فكرة العقلية النامية أيضًا إلى العلاقات الإنسانية. فحين يعتقد الإنسان أن شخصيات الآخرين ثابتة ولا تتغير، قد يصبح أكثر سرعة في إصدار الأحكام، وقد يتعامل مع أخطاء الآخرين باعتبارها دليلًا دائمًا على طبيعتهم. أما الإيمان بإمكانية التطور فيفتح بابًا مختلفًا، لأن الإنسان يمكنه أن يتعلم من تجاربه، ويغير بعض عاداته، ويصبح أكثر وعيًا بطريقة تعامله مع الآخرين.

ولا يعني ذلك أن كل شخص سيتغير بالضرورة، وإنما يعني أن الحكم على الإنسان باعتباره نسخة ثابتة من نفسه قد يحرمنا أحيانًا من رؤية قدرته على النمو.

«لا أستطيع» ليست دائمًا حقيقة

ربما تكون أكثر اللحظات تأثيرًا في الكتاب هي تلك التي تجعل القارئ يعيد النظر في العبارات التي يكررها داخله. «أنا لا أستطيع»، «هذا ليس مستواي»، «لقد فات الأوان»، «أنا لست موهوبًا بما يكفي» تبدو أحيانًا كأنها حقائق نهائية، لكنها قد تكون مجرد معتقدات تكونت من تجارب سابقة أو أحكام سمعناها من الآخرين.

وهنا لا تدعو دويك إلى تجاهل الواقع أو إقناع النفس بأن كل شيء ممكن بلا حدود، وإنما إلى التمييز بين ما لا نستطيع فعله الآن وما قد نستطيع تعلمه مستقبلًا. الفرق بين الجملتين صغير في الكلمات، لكنه كبير في تأثيره على السلوك.

من «هل أستطيع؟» إلى «كيف أصبح أفضل؟»

لا تقوم رسالة الكتاب على التفاؤل المبالغ فيه، ولا تزعم أن الإرادة وحدها قادرة على تجاوز كل العقبات، وإنما تؤكد أن نقطة البداية لا تحدد بالضرورة نقطة النهاية. قد يمتلك شخص مهارة أكبر من غيره في البداية، لكن الاستمرار في التعلم والممارسة يمكن أن يغير الفارق مع الوقت.

ولهذا فإن السؤال الأكثر أهمية ربما ليس «هل أنا قادر؟»، وإنما «كيف يمكنني أن أصبح أكثر قدرة؟». السؤال الأول قد يغلق الباب إذا كانت الإجابة سلبية، أما السؤال الثاني فيفتح مساحة للتجربة والتعلم والبحث عن طرق جديدة.

عقلية النمو.. طريقة أخرى للنظر إلى الحياة

عندما يصل القارئ إلى نهاية «العقلية»، قد يكتشف أن الكتاب لا يتحدث عن النجاح فقط، بل عن الطريقة التي يصنع بها الإنسان قصته الشخصية. فالشخص الذي يعتقد أن قدراته ثابتة سيحاول حماية صورته، بينما الشخص الذي يرى نفسه مشروعًا مستمرًا للتعلم سيكون أكثر استعدادًا لخوض التجارب ومواجهة الأخطاء والبدء من جديد.

وربما تكمن قوة الفكرة في بساطتها؛ فأنت لست مضطرًا إلى أن تكون الأفضل منذ البداية، ولا أن تعرف كل الإجابات، ولا أن تنجح في كل محاولة. يكفي أن تؤمن بأن ما لا تعرفه اليوم يمكن أن تتعلمه غدًا، وأن الخطأ لا يلغي قدرتك على التطور.

 لا يبدو الفشل جدارًا نهائيًا، بل محطة يمكن أن تعيد من خلالها حساباتك، وتكتشف نقاط ضعفك، وتتعلم مهارة جديدة، وتقترب خطوة أخرى من الشخص الذي تريد أن تصبحه. وهنا تصبح العقلية النامية أكثر من مجرد مفهوم نفسي؛ إنها طريقة مختلفة للنظر إلى الإنسان نفسه، باعتباره كائنًا لا تنتهي إمكاناته عند حدود ما يعرفه اليوم.

حقوق النشر:

هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا

البطاقة التعريفية

العنوان: العقلية (Mindset)

المؤلف: كارول إس دويك

دار النشر: مكتبة جرير

بلد النشر: المملكة العربية السعودية

الطبعة: العربية

سنة النشر: 2017

عدد الصفحات: 320 صفحة

ISBN: 9786035038355

 

شارك هذا المنشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *