تجميد الأموال ام استثمارها أيها افضل

عماد محمد
في مقهى عتيق تفوح منه رائحة الذكريات التقى الصديقان يوسف ومحمود بعد سنوات من الغربة في الخليج، أمامهما على الطاولة، كانت تقبع حقيبتان تحويان "شقا العمر"؛ مبلغ مالي متساو يبحث عن مسار للمستقبل هنا افترق الصديقان، واختار كل منهما أن يسير خلف فلسفة استثمارية مختلفة.

انحاز محمود للحكمة التقليدية: العقار هو الابن البار، والذهب زينة وخزينة فقسم أمواله بيقين تام انها الاستثمار الأمثل فاشترى شقة سكنية في موقع حيوي، وحول الأموال المتبقية لسبائك ذهبية أودعها صندوق أمانات بنكي. وضع المفتاح في جيبه وتنفس الصعداء قائلاً: "الآن نامت أموالي في أمان، لا مغامرة ولا قلق".

أما يوسف، فكان يؤمن بأن المال طاقة، وإن لم يمتزج بحركة الإنتاج فقد روحه. قرر خوض تجربة "الاستثمار المستمر في المشروعات الحية" فأسس شركة صغيرة لإنتاج حلول التعبئة والتغليف الصديقة للبيئة. لم تكن البداية مريحة كسبيكة محمود؛ بل تطلبت دراسة سوق، وتوظيف عقول شابة، ومواجهة تحديات التشغيل. لكن العجلة دارت، ولم يكن مشروعه مجرد جدران صامتة، بل كيانا ينمو ويتنفس.

مرت خمس سنوات، والتقى الصديقان في المقهى ذاته، ليظهر الفارق الشاسع بين "تجميد الثروة" و"تنميتها المستمرة".

تأمل محمود أصوله، فوجد أن الذهب والشقة حافظا على قيمتهما الاسمية بفعل التضخم، مع إيجار شهري محدود يتآكل أمام غلاء المعيشة؛ كانت ثروته أشبه بمياه راكدة.

على النقيض، كان يوسف يتابع مؤشرات الإنتاج عبر هاتفه بحيوية. لقد اتبع يوسف قاعدة "الاستثمار المستمر"، فكان يأخذ أرباح كل عام ويعيد ضخها لتطوير خطوط الإنتاج وشراء معدات أحدث. هذا التدوير الذكي خلق عائداً مركبا، فباتت الأرباح تولد أرباحا جديدة، وتضاعف حجم شركته ثلاث مرات.

علاوة على ذلك، كان محمود يراقب التضخم بخوف، معتمدا على الذهب كأداة "دفاعية". أما مشروع يوسف فكان أداة "هجومية" تلائم تقلبات السوق وتتفوق على التضخم لأن أسعار المنتجات ترتفع طبيعيًا مع العرض والطلب. والأهم من الثروة، أن مشروع يوسف وظّف ثلاثين شابًا، ليتحول ماله إلى شريان يغذي الاقتصاد المحلي، بينما انحصر أثر مال محمود في دائرة ضيقة.

العقار والذهب ملاذات ممتازة لحفظ الفوائض، لكنهما لا يصنعان نموا. الثروة الحقيقية تولد من رحم الاستثمار المستمر والدوار في المشروعات هناك فقط يتحول المال من مجرد مخزن صامت للقيمة إلى محرك نابض للحياة والثروة.

شارك هذا المنشور