تقرير: سارة إبراهيم
خلف أبواب حديدية مغلقة، تقف ماكينات صامتة كانت قبل سنوات لا تتوقف عن الدوران، بينما تكسو الأتربة خطوط إنتاج كانت تضج بالحركة، ويغيب العمال الذين اعتادوا أن يبدأوا يومهم مع أول صافرة عمل، مشهد يتكرر في عدد من المصانع التي لم تُعلن نهايتها، لكنها توقفت عن أداء دورها بعد أن واجهت أزمات متلاحقة دفعتها إلى دائرة التعثر. وبين خسائر المستثمرين، ومخاوف العمال، وتأثير ذلك على الاقتصاد، يظل السؤال حاضرًا: لماذا تتعثر المصانع؟ وهل يمكن أن تعود إلى الإنتاج من جديد؟.
ليست كل المصانع التي تتوقف عن الإنتاج قد أغلقت أبوابها إلى الأبد، فهناك مصانع لا تزال مبانيها قائمة، وآلاتها في أماكنها، وعمالها ينتظرون العودة إلى خطوط الإنتاج، لكنها دخلت دائرة تُعرف بـ"المصانع المتعثرة"، وهي المصانع التي تواجه أزمات مالية أو تشغيلية أو إدارية تعيق استمرار نشاطها بشكل طبيعي، سواء بتراجع الإنتاج أو توقفه جزئيًا أو كليًا، رغم امتلاكها مقومات العودة إلى العمل إذا توفرت الحلول المناسبة.
ويعد القطاع الصناعي أحد الركائز الأساسية لأي اقتصاد قوي، إذ لا يقتصر دوره على إنتاج السلع وتلبية احتياجات السوق، بل يمتد إلى توفير فرص العمل، وزيادة الصادرات، وتقليل الاعتماد على الواردات، وجذب الاستثمارات، ودعم معدلات النمو الاقتصادي. لذلك فإن تعثر أي مصنع لا يمثل خسارة لصاحبه فقط، وإنما ينعكس على العمال وسلاسل التوريد والأسواق المحلية، وقد يمتد تأثيره إلى الاقتصاد بشكل أوسع.
وتختلف أسباب تعثر المصانع من حالة إلى أخرى، إلا أن هناك عوامل مشتركة تتكرر في معظم التجارب. ويأتي ارتفاع تكاليف الإنتاج في مقدمة هذه الأسباب، سواء نتيجة زيادة أسعار المواد الخام أو الطاقة أو تكاليف النقل، وهو ما يقلل القدرة التنافسية للمنتج المحلي ويضغط على هوامش الربح.
كما تمثل صعوبة الحصول على التمويل أحد أبرز التحديات التي تواجه العديد من المصانع، خاصة الصغيرة والمتوسطة، إذ تحتاج هذه المنشآت إلى سيولة مالية لتوفير الخامات، وتحديث المعدات، والاستمرار في الإنتاج، بينما قد تحول ارتفاع تكلفة الاقتراض أو صعوبة الحصول على الائتمان دون تحقيق ذلك.
ولا تقل المشكلات الإدارية أهمية عن التحديات المالية، فضعف التخطيط، وغياب الدراسات التسويقية، وعدم مواكبة التطورات التكنولوجية، كلها عوامل قد تؤدي إلى تراجع الإنتاجية وفقدان القدرة على المنافسة في الأسواق المحلية والخارجية.
وتواجه بعض المصانع أيضًا تحديات تتعلق بتسويق منتجاتها، في ظل المنافسة مع السلع المستوردة أو تغير احتياجات المستهلكين، ما يؤدي إلى تكدس المخزون وتراجع المبيعات، ومن ثم انخفاض الإيرادات وصعوبة تغطية النفقات التشغيلية.
كما تلعب الإجراءات الإدارية وتعقيد بعض التراخيص أو تأخر الخدمات المرتبطة بالإنتاج دورًا في زيادة الأعباء على المستثمرين، إلى جانب نقص العمالة الفنية المدربة في بعض القطاعات الصناعية، وهو ما يؤثر في جودة الإنتاج وكفاءته.
ورغم تعدد أسباب التعثر، فإن كثيرًا من الخبراء يرون أن هذه المصانع لا تمثل عبئًا على الاقتصاد بقدر ما تمثل فرصة يمكن استعادتها من خلال معالجة أسباب الأزمة، وتوفير بيئة أعمال أكثر مرونة، ودعم التمويل والإنتاج والتسويق، بما يسمح بعودة خطوط الإنتاج إلى العمل من جديد، حفاظًا على الاستثمارات القائمة، واستمرارًا لدور الصناعة باعتبارها أحد أهم محركات التنمية الاقتصادية وتوفير فرص العمل.