كتب: أحمد سلطان
أصبحت حماية الأبناء من العادات المؤذية،وهي واحدة من أهم القضايا التربوية التي تشغل الأسرة في الوقت الحالي خاصة مع كثرة المؤثرات التي تحيط بالأطفال والمراهقين سواء من خلال الهاتف أو مواقع التواصل أو الأصدقاء أو ما يشاهدونه يوميًا داخل البيت وخارجه.
ولم تعد التربية تقوم على الأوامر المباشرة فقط بل أصبحت تحتاج إلى وعي أكبر وحوار أهدأ وبيئة صحية تساعد الطفل على اكتساب العادات السليمة وترك ما يضره.
العادات المؤذية لا تظهر فجأة في حياة الأبناء بل تتكون تدريجيا من خلال التكرار والبيئة والمشاهدة فقد يعتاد الطفل السهر أو الإفراط في استخدام الهاتف أو الكذب أو العصبية أو إضاعة الوقت أو تقليد سلوكيات سلبية إذا لم يجد توجيها حكيما وبيئة تساعده على الاختيار الصحيح لذلك فإن حماية الأبناء لا تبدأ بالعقاب بل تبدأ ببناء وعي داخل البيت.
القدوة قبل النصيحة
تعد القدوة أول خطوة في حماية الأبناء من العادات المؤذية لأن الطفل يتعلم مما يراه أكثر مما يسمعه فإذا كان الأبوان يطلبان من الابن ترك الهاتف بينما الهاتف حاضر في كل جلسة أو يطلبان منه الهدوء بينما يسود البيت الصراخ فإن النصيحة تفقد تأثيرها أما عندما يرى الأبناء الصدق والاحترام وحسن الخلق وتنظيم الوقت فإن هذه القيم تتحول أمامهم إلى سلوك عملي يمكن تقليده.
فالطفل الذي يعيش في بيت يحترم الكلمة ويحافظ على الصلاة ويقدر الوقت ويتعامل أفراده برحمة يكون أكثر استعدادا لاكتساب عادات نافعة ومن هنا تصبح القدوة الصالحة وسيلة تربوية أقوى من المحاضرات الطويلة لأنها تغرس السلوك دون ضغط مباشر.
البيئة تصنع العادة
تلعب البيئة دورًا كبيرًا في تشكيل سلوك الأبناء فالبيت المنظم يساعد على تنظيم الوقت والبيت الهادئ يساعد على ضبط الانفعال والبيت الذي يوفر أنشطة نافعة يقلل من تعلق الأبناء بالعادات الضارة.
لذلك لا يكفي أن نقول للطفل لا تضيع وقتك، بل يجب أن نوفر له بدائل مفيدة تشغل وقته وتنمي قدراته وتشمل هذه البدائل ممارسة الرياضة والقراءة والهوايات والمشاركة في أنشطة أسرية وتعلم مهارة جديدة فالابن الذي يجد داخل بيته مساحة للحوار واللعب والتعلم يكون أقل عرضة للفراغ الذي يدفعه إلى سلوكيات مؤذية فالفراغ من أكثر الأبواب التي تدخل منها العادات السيئة إلى حياة الأبناء.
الحوار بديل عن الأوامر
من أهم وسائل التربية الحديثة أن يتحول التعامل مع الأبناء من صيغة الأوامر المستمرة إلى صيغة الحوار والفهم فالطفل أو المراهق يحتاج إلى من يشرح له خطورة العادة المؤذية لا إلى من يمنعه فقط دون تفسير عندما يعرف الابن لماذا يضره السهر ولماذا يؤثر الهاتف الزائد على تركيزه ولماذا تؤذي الصحبة السيئة مستقبله يصبح أكثر قدرة على الاقتناع والتغيير.
الحوار لا يعني غياب الحزم لكنه يعني أن يكون الحزم مصحوبا بالاحترام فالأبناء يحتاجون إلى حدود واضحة لكنهم يحتاجون أيضا إلى أن يشعروا أن هذه الحدود وضعت لحمايتهم لا للسيطرة عليهم وكلما شعر الابن بالأمان في الحديث مع والديه زادت قدرته على المصارحة وطلب النصيحة قبل أن تتفاقم المشكلة.
استبدال العادة بعادة نافعة
لا تنجح التربية إذا اكتفت بمحاربة العادة السيئة دون تقديم بديل فالطفل الذي نطلب منه تقليل استخدام الهاتف يحتاج إلى نشاط آخر يجذبه والمراهق الذي نطلب منه الابتعاد عن صحبة سيئة يحتاج إلى صحبة صالحة وبيئة أفضل والابن الذي اعتاد الكسل يحتاج إلى هدف بسيط يشعره بالإنجاز.
لذلك، فإن استبدال العادة بعادة نافعة هو الطريق الأذكى للتغيير فبدلا من الاكتفاء بالمنع يمكن توجيه الأبناء إلى الرياضة أو القراءة أو المشاركة في أعمال البيت أو تعلم مهارة أو ممارسة نشاط جماعي فالعادة الضارة تضعف عندما يجد الابن عادة أخرى تمنحه المتعة والفائدة والشعور بالنجاح.
دور الأسرة في بناء جيل واع
تؤكد التجربة التربوية أن الأبناء لا يحتاجون إلى بيت يراقبهم فقط بل يحتاجون إلى بيت يفهمهم ويحتويهم ويرشدهم فالحماية الحقيقية لا تقوم على الخوف بل على الثقة والوعي والقدوة وعندما يشعر الطفل أن أسرته قريبة منه وأنه يستطيع أن يتحدث دون إهانة أو سخرية فإنه يكون أكثر استعدادا لقبول النصح والعودة إلى الطريق الصحيح إذا أخطأ.
وفي النهاية، فإن حماية الأبناء من العادات المؤذية مسؤولية تحتاج إلى صبر وحكمة وتوازن فالقدوة تغرس والبيئة تساعد والحوار يقنع والبدائل النافعة تثبت السلوك الصحيح ومن استطاع أن يجمع بين هذه العناصر داخل بيته فإنه لا يحمي أبناءه من عادة مؤذية فقط بل يساهم في بناء جيل واع ومسؤول قادر على الاختيار الصحيح في غياب الرقابة وقبل حضور النصيحة.