تمهيد:
كل كتاب يبدأ من سؤال وينتهي غالبًا بأسئلة أكبر وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة بعض الكتب تمنحك معلومات وبعضها يمنحك طريقة جديدة للنظر إلى الحياة وهناك كتب قليلة تترك أثرها في أسلوب التفكير قبل أن تتركه في الذاكرة وهذا واحد من تلك الكتب.
ما يتناوله الكاتب:
تخيل إنك مسؤول عن دولة مكونة من أكثر من سبعة عشر ألف جزيرة موزعة على مساحة شاسعة وبين كل جزيرة وأخرى بحر يفصلها وثقافات مختلفة ولغات متعددة ومستويات تنمية غير متساوية ثم يطلب منك أحدهم أن تحول هذا التشتت إلى واحد من أكبر اقتصادات آسيا وقتها هتعتقد إن المطلوب مستحيل لكن المستحيل أحيانًا بيكون مجرد مشروع محتاج قيادة تعرف تبدأ من المكان الصحيح لأن الدول الكبيرة لا تنهض بالحظ ولا بالصدفة لكنها تنهض لما تعترف بأخطائها وتتعلم منها وتبني مستقبلها على أسس مختلفة تمامًا عن الماضي
أزمة نهاية التسعينيات كانت لحظة فاصلة في تاريخ إندونيسيا بعدما انهارت العملة وأغلقت آلاف الشركات أبوابها وارتفعت البطالة بصورة مخيفة وهربت الاستثمارات إلى الخارج وبدا المشهد وكأن الدولة فقدت قدرتها على الوقوف مرة أخرى لكن أخطر ما واجهته الأزمة لم يكن الانهيار الاقتصادي نفسه وإنما اكتشاف أن النظام القديم لم يعد قادرًا على الاستمرار وأن أي محاولة للعودة إلى ما قبل الأزمة معناها انتظار انهيار جديد لذلك بدأ التفكير في إعادة بناء الاقتصاد من جذوره بدل الاكتفاء بعلاج نتائجه
إصلاح القطاع المالي كان أول اختبار حقيقي لأن الاقتصاد لا يمكن أن يتعافى في ظل بنوك ضعيفة أو مؤسسات فقدت ثقة الناس لذلك أغلقت البنوك غير القادرة على الاستمرار وفرضت رقابة أكثر صرامة وأصبح البنك المركزي يتمتع باستقلال أكبر في إدارة السياسة النقدية ومع مرور الوقت بدأت معدلات التضخم تنخفض واستعادت العملة جزءًا كبيرًا من استقرارها وبدأ المستثمرون ينظرون إلى إندونيسيا باعتبارها سوقًا تستحق العودة إليها بعد سنوات من الخوف والتردد
تنوع الاقتصاد كان القرار الأذكى لأن الاعتماد على قطاع واحد يجعل أي أزمة قادرة على إسقاط الدولة بالكامل لذلك توسعت الصناعة بصورة كبيرة وتطورت الزراعة وتحسن أداء قطاع التعدين وارتفعت مساهمة السياحة في الدخل القومي واستفادت الدولة من امتلاكها احتياطيات ضخمة من النيكل والفحم وزيت النخيل والمطاط لكن القيمة الحقيقية لم تكن في وجود الموارد وحدها وإنما في حسن إدارتها وتحويلها إلى صناعات تحقق قيمة مضافة بدل الاكتفاء بتصديرها في صورتها الخام
عدد السكان الضخم تحول من عبء إلى قوة لأن وجود أكثر من مئتين وسبعين مليون مستهلك خلق سوقًا داخلية هائلة تستطيع الحفاظ على دوران عجلة الاقتصاد حتى في الفترات التي يتراجع فيها الطلب العالمي وكل زيادة في دخول المواطنين كانت تعني زيادة في الاستهلاك وزيادة في الإنتاج ثم زيادة في فرص العمل لتدخل الدولة في دائرة نمو متواصلة تعتمد على الداخل والخارج في الوقت نفسه بدل الاعتماد الكامل على الأسواق الأجنبية
طبيعة الدولة الجغرافية فرضت تحديات لم تواجهها دول كثيرة لأن انتقال البضائع بين آلاف الجزر كان يستهلك وقتًا طويلًا ويرفع تكلفة الإنتاج بصورة كبيرة لذلك اتجهت الحكومة إلى استثمارات ضخمة في الطرق والموانئ والمطارات وشبكات النقل الحديثة ولم تكن هذه المشروعات مجرد إنفاق حكومي لكنها كانت استثمارًا طويل المدى جعل حركة التجارة أسرع وخفض تكلفة النقل وساعد الشركات على الوصول إلى الأسواق المحلية والعالمية بكفاءة أعلى وفتح الباب أمام مناطق كانت معزولة لسنوات طويلة لتصبح جزءًا من النشاط الاقتصادي
اهتمام الدولة لم يقتصر على الشركات الكبرى لأن الاقتصادات القوية لا تبنى بعدد محدود من المؤسسات العملاقة وإنما بملايين المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تمنح الاقتصاد مرونة وقدرة على الاستمرار لذلك حصل أصحاب المشروعات على تسهيلات تمويل وبرامج تدريب وإجراءات أبسط لإنشاء أعمالهم ومع مرور السنوات أصبحت هذه المشروعات العمود الفقري للاقتصاد ووفرت ملايين الوظائف وساهمت في تنشيط التجارة داخل المدن والقرى وربطت التنمية بحياة المواطن اليومية بدل أن تبقى مجرد أرقام في التقارير الرسمية
رحلة النجاح لم تكن خالية من العقبات لأن الفساد لم يختف تمامًا وما زالت بعض المناطق أقل نموًا من غيرها وما زالت الفجوة الاقتصادية بين بعض الجزر تحتاج إلى حلول مستمرة لكن الفارق الحقيقي أن الدولة أصبحت تمتلك مؤسسات أقوى واقتصادًا أكثر تنوعًا وقدرة أكبر على امتصاص الصدمات دون أن تعود إلى نقطة الانهيار التي عاشتها في نهاية القرن الماضي وأصبح الإصلاح عملية مستمرة وليست رد فعل مؤقت على أزمة عابرة
رسالة التجربة الإندونيسية تتجاوز حدود الاقتصاد لأنها تؤكد أن الدول لا تتغير بامتلاك الثروات فقط وإنما بطريقة إدارتها وأن الاستثمار في الإنسان والمؤسسات والبنية التحتية يصنع نتائج تستمر لعقود بينما الحلول السريعة تمنح نجاحًا مؤقتًا سرعان ما يختفي وعندما اجتمعت الإرادة مع التخطيط والانضباط تحولت دولة كان كثيرون يعتقدون أنها ستظل أسيرة أزماتها إلى نموذج اقتصادي يلفت أنظار العالم ويثبت أن المستقبل لا يصنعه من يملك الموارد وحدها وإنما من يعرف كيف يديرها.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية
العنوان: الاقتصاد الإندونيسي دخول عصر جديد
العنوان الأصلي: The Indonesian Economy Entering a New Era
المحررون: Aris Ananta
Muljana Soekarni
Sjamsul Arifin
دار النشر: ISEAS Publishing
بلد النشر: سنغافورة
الطبعة: الأولى
سنة النشر: 2013
عدد الصفحات: 412 صفحة
ISBN: 9789814459703