تمهيد:
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
ما يتناوله الكاتب:
يقوم كتاب”ابدأ بالأهم ولو كان صعبا”للكاتب” برايان تريسي”على فكرة تبدو بسيطة لكنها تحمل أثرا كبيرا في حياة الإنسان؛ وهي أن النجاح لا يرتبط بعدد المهام التي ينجزها، وإنما بقدرته على اختيار المهمة الأكثر تأثيرا والبدء بها دون تردد، فكل يوم يحمل عشرات الأعمال لكن ليست كلها متساوية في الأهمية، وهناك مهمة واحدة غالبا تكون هي الأكثر قدرة على تغيير النتائج إذا أنجزت في الوقت المناسب.
ويرى المؤلف أن المشكلة الحقيقية ليست في ضيق الوقت بل في سوء استخدامه، فالجميع يمتلك أربعاً وعشرين ساعة لكن الفارق بين الأشخاص الناجحين وغيرهم يكمن في ترتيب الأولويات والانضباط في تنفيذها، لا في كثرة الانشغال أو طول ساعات العمل.
ويؤكد الكتاب أن التسويف ليس عادة بسيطة بل أسلوب حياة قد يستهلك سنوات كاملة دون أن يشعر الإنسان، لذلك فإن التخلص منه يبدأ بقرار صغير يتكرر كل صباح وهو البدء بالمهمة التي يخشاها الجميع ويؤجلها الجميع.
رسالة الكاتب للقارئ:
كتب المؤلف هذا الكتاب لأنه أدرك أن واحدة من أكبر العقبات التي تمنع الناس من تحقيق أهدافهم ليست نقص الإمكانات، وإنما عادة التأجيل فالكثير يعرف ما يجب أن يفعله لكنه يبحث دائما عن الوقت المناسب أو ينتظر شعورا بالحماس قد لا يأتي أبدا، ولذلك تضيع الفرص وتتراكم المهام ويزداد الشعور بالإحباط.
ومن هنا حاول المؤلف أن يقدم فلسفة مختلفة تقوم على أن البداية أهم من الكمال، وأن الإنجاز الحقيقي يبدأ بخطوة واضحة نحو المهمة الأكثر قيمة وليس بالانشغال في تفاصيل صغيرة تمنح شعورا زائفا بالإنتاجية، كما أراد أن يغير نظرة القارئ إلى الوقت نفسه فالوقت ليس عدوا وإنما مورد محدود يحتاج إلى إدارة واعية.
ويبدو أن الهدف الحقيقي من الكتاب ليس تعليم إدارة الوقت فقط؛ وإنما بناء عقلية جديدة ترى أن النجاح قرار يومي يتكرر مع كل صباح وأن الإنسان يصنع مستقبله من خلال عاداته الصغيرة أكثر مما يصنعه عبر القرارات الكبرى.
كما يريد المؤلف أن يقتنع القارئ بأن أصعب مهمة في يومه ليست عبئا يجب الهروب منه، وإنما فرصة حقيقية لتحقيق التقدم، وأن مواجهة هذه المهمة في البداية تمنح الإنسان شعورا بالسيطرة والثقة وتجعله أكثر قدرة على استكمال بقية أعماله بكفاءة.
الأولويات تصنع المستقبل:
يؤكد الكتاب أن الفرق الحقيقي بين الأشخاص لا يكمن في مقدار الجهد الذي يبذلونه؛ وإنما في اتجاه هذا الجهد فقد يعمل إنسان لساعات طويلة دون نتائج لأنه يستهلك وقته في أعمال قليلة القيمة، بينما يحقق شخص آخر إنجازا أكبر لأنه ركز على المهمة التي تحدث أثرا حقيقيا، ولذلك تصبح الأولويات هي البوصلة التي تحدد قيمة كل يوم يمر من عمر الإنسان.
التسويف ليس كسلا:
يرفض برايان تريسي تفسير التسويف على أنه كسل فقط، ويرى أنه يرتبط أحيانا بالخوف من الفشل أو الرغبة في الوصول إلى الكمال أو الشعور بأن المهمة أكبر من القدرة عليها، ولذلك يدعو إلى كسر حاجز البداية لأن أصعب جزء في أي عمل هو اتخاذ القرار بالبدء، أما بعد ذلك فإن الاستمرار يصبح أكثر سهولة.
الانضباط أقوى من الحماس:
يعتمد كثير من الناس على الحماس في بداية أي مشروع لكن الحماس شعور مؤقت، بينما الانضباط عادة تستمر مهما تغيرت الظروف، ولهذا يوضح الكتاب أن الأشخاص الناجحين لا ينتظرون الرغبة في العمل وإنما ينجزون ما عليهم ثم تأتي الرغبة بعد الإنجاز، ولذلك يصبح الالتزام اليومي هو السر الحقيقي وراء النتائج الكبيرة.
التركيز يصنع الإنجاز:
في عصر تمتلئ فيه الحياة بالمشتتات يلفت المؤلف الانتباه إلى أن التركيز أصبح مهارة نادرة فالانتقال المستمر بين المهام يستهلك طاقة العقل ويقلل جودة العمل بينما يمنح التركيز الكامل على مهمة واحدة نتائج أفضل في وقت أقل، لذلك يدعو إلى التخلص من كل ما يسرق الانتباه أثناء العمل.
النجاح عادة يومية:
لا يرى الكتاب أن النجاح لحظة استثنائية أو ضربة حظ بل يعتبره نتيجة طبيعية لتكرار سلوكيات صغيرة كل يوم، فالتخطيط الجيد والالتزام بالمواعيد وإنجاز المهمة الأهم والمحافظة على الانضباط كلها عادات تتراكم مع الوقت حتى تتحول إلى نجاح حقيقي ومستمر.
الفئة التي سيستفيد منها الكتاب:
يناسب هذا الكتاب الطلاب والموظفين ورواد الأعمال وكل من يشعر بأن يومه يمضي دون إنجاز حقيقي، كما يفيد الأشخاص الذين يعانون من التسويف أو يجدون صعوبة في ترتيب أولوياتهم لأنه يقدم أفكارا عملية يمكن تطبيقها في الدراسة والعمل والحياة اليومية.
أهم نقاط القوة والضعف:
تكمن قوة الكتاب في بساطة أسلوبه ووضوح أفكاره واعتماده على نصائح عملية يسهل تنفيذها، كما ينجح في تحويل مفاهيم إدارة الوقت إلى خطوات واقعية تناسب مختلف الفئات.
أما من نقاط الضعف فإن بعض الأفكار تتكرر أكثر من مرة لتأكيد أهميتها، كما أن الكتاب يركز على الحلول العملية أكثر من تحليله للأسباب النفسية العميقة التي تدفع الإنسان إلى التأجيل.
ومن خلال القراءة التحليلية للكتاب هناك بعض المفاهيم التي تحتاج لنقاش:
أرى أن قيمة هذا الكتاب لا تتوقف عند تنظيم الوقت بل تمتد إلى تغيير طريقة التفكير في الحياة نفسها فهو يدعو الإنسان إلى مواجهة ما يخشاه بدلا من الهروب منه، ويؤكد أن القرارات الصغيرة التي نتخذها كل صباح هي التي تصنع مصيرنا بعد سنوات، كما أنه يكشف أن المشكلة ليست في كثرة الأعمال، وإنما في سوء اختيارها وأن الإنسان قد يكون مشغولا طوال اليوم دون أن يقترب خطوة واحدة من أهدافه.
وأعتقد أن الرسالة الأهم التي يتركها المؤلف هي أن النجاح لا يحتاج إلى ظروف مثالية بل يحتاج إلى شجاعة البداية وأن المهمة التي نؤجلها اليوم قد تكون هي نفسها التي تغير حياتنا غدا، لذلك فإن أفضل وقت للبدء ليس عندما تختفي الصعوبات وإنما عندما نقرر ألا نجعلها سببا للتوقف.
في النهاية عندما تطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية.
وقد سعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة مستوحاة من الفكرة العامة للكتاب ولا تمثل نقلا أو إعادة نشر لمحتواه الأصلي أو بديلا عنه وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره وينصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملا
البطاقة التعريفية
العنوان ابدأ بالأهم ولو كان صعبا
العنوان الأصلي Eat That Frog
المؤلف برايان تريسي
المترجمة هبة الله الغلاييني
دار النشر مكتبة العبيكان
بلد النشر المملكة العربية السعودية
الطبعة الثامنة
سنة النشر 2017
عدد الصفحات 130 صفحة
رقم الإيداع: 1618 / 1427
الرقم المعياري الدولي 9786035090933