تمهيد:
كل كتاب يبدأ من سؤال، وينتهي غالباً بأسئلة أكبر، وبين البداية والنهاية رحلة فكرية يصوغها مؤلف، ويعيد اكتشافها كل قارئ بطريقته الخاصة.
هذه الصفحات ليست اختصاراً للكتاب، ولا محاولة لاستبدال قراءته، وإنما قراءة صحفية تحليلية تعيد تقديم أفكاره بلغة جديدة، وتناقشها في سياقها، وتربطها بالواقع، وتفتح باباً للتأمل أكثر مما تقدم أحكاماً نهائية، وهنا لا نقرأ الكلمات فقط، بل نقرأ ما وراءها.
ما يتناوله الكاتب:
يقدم المفكر وعالم المستقبليات المهدي المنجرة أطروحة نقذية تسلط الضوء على المركزية الحاسمة للقيم والثقافة في تشكيل بؤر الصراع والتحول الدولي، مؤكداً أن التنمية الحقيقية والسيادة لا يمكن تحقيقهما بمعزل عن المنظومة القيمية والهوية الثقافية المستقلة لمجتمعات الجنوب.
كتب المؤلف هذا العمل لمواجهة خطر “عولمة القيم” وفرض النماذج الثقافية الأحادية من قِبل القوى الغربية، ومحاولة تشخيص الخلل في الاستراتيجيات التنموية للدول النامية التي أهملت البعد الثقافي والذاكرة التاريخية واستندت إلى التبعية للخارج.
يرى الكاتب أن القيم ليست مجرد رفاهية فكرية أو مبادئ مجردة، بل هي المحرك الأساسي لأي مشروع تنموي ناجح. ويؤكد أن محاولات نقل أو استنساخ النماذج التنموية الغربية دون مراعاة الخصوصية القيمية والثقافية للمجتمعات تؤدي إلى فشل هيكلي وإلى تعميق التبعية والاستلاب.
يطرح المنجرة رؤية حادة تعتبر أن مقياس الحريات وحقوق الإنسان في أي بلد يتجلى في تعاطي السلطة والمجتمع مع الفن والفنانين. فالإبداع الحر يُعد الحصن الأخير ضد الرداءة والجمود الفكري، ويمثل أداة مقاومة حضارية في وجه التنميط والعولمة الجشعة.
يركز الفصل الأخير على أهمية الذاكرة الفردية والجماعية، معتبراً إياها ركيزة الهوية وحصن الامتداد الحضاري. ويحذر الكتاب من السياسات التي تسعى إلى فرض “النسيان التنظيمي” أو طمس الرموز والشخصيات التاريخية، لما يترتب على ذلك من تفكيك للبنية المعنوية للأمم.
ويمكن حصر خلاصة الكتاب في نقاط تتضمن القيم الثقافية هي المحدد الرئيسي لمستقبل النزاعات والتحولات الجيوسياسية العالمية، وعولمة منظومة القيم الغربية بقوة السلاح أو الاقتصاد تهدد التنوع الثقافي والتواصل الحضاري المتكافئ، والتنمية الحقيقية تبدأ من محاربة الأمية، والاعتماد على اللغة الأم، ودعم البحث العلمي المستقل، ودعم التنمية بصورته التقليدية الغربية يكرس الفقر والتبعية أكثر مما يقدم حلولاً فعلية، والتنوع الثقافي أصل من أصول بقاء البشرية، واستنساخ الثقافات أمر غير ممكن وعقيم.
كما يمكن حصرها أيضا في درجة احترام الفن والفنانين تعكس المستوى الحقيقي للديمقراطية والحريات في أي مجتمع، ومواجهة الرداءة والمحسوبية الفكرية شرط أساسي للإصلاح الحضاري، والذاكرة التاريخية ليست ماضياً مقطوعاً، بل هي طاقة موجهة نحو المستقبليات والتخطيط، والتحرر السياسي والاقتصادي لمجتمعات الجنوب مرتهن بالتحرر الفكري والثقافي أولاً، والحوار الحضاري لا يستقيم إلا في إطار الاحترام المتبادل وتكافؤ الفرص بين الأطراف.
ويناسب المهتمين بالدراسات المستقبلية، وعلم الاجتماع السياسي، والعلاقات الدولية، والمفكرين والباحثين في قضايا التنمية والثقافة والهوية الحضارية، إضافة إلى القراء الراغبين في فهم خلفيات النزاعات المعاصرة بصورة عميقة.
وتوجد نقاط القوة وهي أسلوب تحليلي واستشرافي عميق ينفذ إلى جوهر القضايا دون الاكتفاء بالتوصيف السطحي، والجمع بين الرؤية الأكاديمية الدقيقة والحس النضالي الملتزم بقضايا شعوب العالم الثالث، والترابط الفكري القوي بين محاور الكتاب رغم تنوع المناسبات والندوات التي استُقيت منها النصوص.
ونقاط الضعف بالكتاب تكرار بعض المفاهيم والأفكار المحورية عبر الفصول المختلفة، وهو أمر يعود لطبيعة المادة الأوليّة للكتاب التي جمعت من محاضرات ومداخلات صحفية وأكاديمية متعددة.
وملاحظات يمكن مناقشتها بالكتاب وهي مدى إمكانية تطبيق رؤية المنجرة التنموية المرتكزة على الذات في ظل التداخل التكنولوجي والمعلوماتي المعاصر، وحدة الفرز بين منظومة قيم الشمال وقيم الجنوب وأثرها على فرص التفاهم الإنساني المشترك.
عندما تُطوى الصفحة الأخيرة، لا تنتهي الرحلة، بل تبدأ مرحلة جديدة؛ إذ ينتقل الكتاب من يد المؤلف إلى عقل القارئ، وهناك فقط تبدأ الأفكار في اختبار قيمتها الحقيقية، وسعت هذه القراءة إلى تقديم رؤية مستقلة لمحتوى الكتاب، عبر إعادة صياغة الأفكار وتحليلها ومناقشتها بلغة صحفية معاصرة، دون إعادة إنتاج للنص الأصلي أو الاكتفاء بسرده، ويبقى الكتاب في صورته الكاملة هو المرجع الأصيل لفكر مؤلفه.
حقوق النشر
هذه المادة عبارة عن قراءة صحفية تحليلية مستقلة أُعدت لأغراض التعريف والنقد والمراجعة الفكرية، وتعتمد على إعادة صياغة الأفكار وتقديم رؤية تفسيرية خاصة بالمُعد، ولا تمثل إعادة نشر لمحتوى الكتاب أو بديلًا عنه. وتظل جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب وناشره، ويُنصح بالرجوع إلى النسخة الأصلية للاطلاع على العمل كاملًا.
البطاقة التعريفية :
العنوان: قيمة القيم
المؤلف: المهدي المنجرة
دار النشر: المركز الثقافي العربي
بلد النشر: المغرب / لبنان
الطبعة: الطبعة السادسة
سنة النشر: 2019
عدد الصفحات: 327 صفحة
رقم الإيداع: 9789953683317
ISBN: 9789953683317