بقلم- رقية عيسى
حين تضيق الحياة، ينشغل معظمنا بسؤال: متى تتغير الظروف؟ ومتى يأتيني الفرج؟، لكن السؤال الذي يصنع الفارق حقًا ليس متى تتغير الحياة، بل: "ماذا غيرت أنا في نفسي حتى تستحق حياتي أن تتغير؟".
فقد اعتدنا أن نربط التغيير بما يحدث حولنا؛ وظيفة أفضل، دخل أعلى، فرصة جديدة، أشخاص مختلفون، أو حتى حظ أكثر إنصافًا، ننتظر أن تتحرك الظروف، بينما نظل نحن في المكان نفسه، بالطريقة نفسها، وبالعادات نفسها، ثم نتعجب من بقاء النتائج كما هي.
لهذا جاءت القاعدة القرآنية واضحة وحاسمة: " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"، إنها ليست دعوة للتأمل فقط، بل منهج حياة يضع المسؤولية أولًا على الإنسان، قبل أن يطلب من الحياة أن تمنحه ما يريد.
في رأيي، أول ما يجب أن يتغير ليس الواقع، وإنما العقل الذي يتعامل مع هذا الواقع.
هناك من يقضي سنوات يردد أنه لا يملك الإمكانات، وأن الظروف أقوى منه، وأن الآخرين كانوا أكثر حظًا، وفي المقابل، هناك من بدأ من النقطة نفسها تقريبًا، لكنه قرر أن يغيّر طريقة التفكير قبل أن يغيّر طريقه في الحياة، الفارق بين الاثنين لم يكن في الظروف، بل في القرار.
التغيير الحقيقي يبدأ عندما يتوقف الإنسان عن لعب دور الضحية، عندما يكف عن تعليق إخفاقاته على شماعة الآخرين، ويبدأ بمراجعة نفسه بصدق، ليس جلدًا للذات، وإنما مصارحة ضرورية؛ لأن من لا يعترف بأخطائه لن يعرف من أين يبدأ الإصلاح.
ثم يأتي القلب، ذلك المكان الذي لا يراه أحد، فكم من إنسان أثقلته المقارنات، وأرهقه الحسد، واستنزفته الكراهية، حتى فقد القدرة على رؤية النعم التي يعيش فيها، القلب المطمئن لا يعني أنه بلا مشكلات، لكنه يعرف كيف يواجهها دون أن يفقد إيمانه أو اتزانه.
وللتغيير وجه آخر لا يقل أهمية، هو العادات الصغيرة التي نستهين بها، فالنجاح لا يولد في يوم، كما أن الفشل لا يأتي فجأة، كلاهما نتيجة تراكمات يومية؛ ساعة تُهدر بلا هدف، أو ساعة تُستثمر في تعلم شيء جديد، كلمة طيبة قد تفتح بابًا، وكلمة قاسية قد تغلق أبوابًا كثيرة، قرار بالاستمرار، أو قرار بالاستسلام، ومن هذه التفاصيل تتشكل الحياة.
لكن يبقى هناك جانب لا يمكن تجاوزه؛ وهو العلاقة مع الله، ليس لأن التدين يضمن حياة بلا أزمات، وإنما لأنه يمنح الإنسان القوة التي تجعله يتجاوزها، وكلما أصلح الإنسان ما بينه وبين ربه، وجد من الطمأنينة والتوفيق ما لا تفسره الحسابات المادية وحدها.
أحيانًا لا يؤخر الله أمنيةً ليحرمنا منها، وإنما ليُعدّنا لها، وأحيانًا لا يغيّر واقعنا سريعًا، لأنه ينتظر أن ننضج بما يكفي لنحافظ على هذا التغيير إذا جاء.
في النهاية، لا أحد يستطيع أن يبدل حياتك بقرار يتخذه نيابة عنك، البداية دائمًا شخصية، وصامتة، وربما لا يلاحظها أحد، لكن كل تغيير كبير في حياة الإنسان، بدأ بخطوة صغيرة اتخذها مع نفسه.
لذلك، إذا كنت تنتظر أن يتغير واقعك، فلا تنظر أولًا إلى ما ينقص العالم من حولك، انظر إلى ما يحتاج أن يتغير في داخلك، فهناك غالبًا تبدأ الحكاية كلها.