تقرير:آية علاء
كل صباح يقف فتحي حمدي، الشاب العشريني، أمام ألسنة اللهب المتصاعدة من فرن العمل، بينما تتصبب قطرات العرق من وجهه قبل أن تشتد حرارة النهار. لا يلتفت إلى قسوة الجو ولا إلى الإرهاق الذي يلازمه لساعات طويلة، فهناك ما هو أكبر من التعب ينتظره في المنزل… أم وثلاثة أشقاء ما زالوا على مقاعد الدراسة، يرون فيه الأب قبل أن يكون الأخ.
لم يكن هذا الطريق هو الذي رسمه فتحي لنفسه. فقبل سنوات، كان طالبًا متفوقًا حصل على 87% في الثانوية العامة – الشعبة الأدبية، وكان يحلم باستكمال تعليمه الجامعي وبناء مستقبل مختلف. لكن وفاة والده غيّرت كل شيء، لتتحول الأحلام إلى مسؤوليات أكبر من عمره.
يقول فتحي وهو ينظر إلى النار التي أصبحت جزءًا من يومه: "بعد وفاة أبويا حسيت إن البيت كله بقى على كتفي. ماكانش ينفع أفكر في نفسي وأسيب أمي وإخواتي محتاجين حد يسندهم."
اتخذ قراره الصعب دون تردد؛ ترك الدراسة، وبدأ رحلة العمل من أجل لقمة العيش. لم يكن القرار سهلًا، لكنه كان مقتنعًا بأن لكل مرحلة في الحياة واجبًا، وأن واجبه وقتها كان حماية أسرته.
ويضيف بابتسامة تخفي سنوات من التعب: "زعلت إني مكملتش تعليمي، لكن ربنا عوضني براحة ضميري. لما أشوف إخواتي بيروحوا مدارسهم أعرف إن تعبي مش بيروح هدر."
يعمل فتحي لساعات طويلة وسط حرارة تكاد تذيب الحديد، لكنه لا يشكو. يؤمن أن الرزق بيد الله، وأن السعي عبادة لا تقل قيمة عن أي عمل آخر.
ويقول: "كل يوم بطلع من البيت وأنا بقول يا رب. عندي يقين إن ربنا شايف تعبي، ومش هيضيع تعب حد بيشتغل بالحلال."
أما والدته، فهي مصدر قوته ودعائه الدائم. يقول: "دعوة أمي هي اللي مخلية ربنا فاتحها عليّ. لما ترضى وتدعيلي، بحس إن الدنيا كلها بقت أهون."