حروب الجيل الجديد.. عندما تصبح الشائعة أخطر من السلاح

كتب- مخلص أمين

لم تعد الحروب في القرن الحادي والعشرين تُحسم فقط بالدبابات والطائرات والصواريخ، بل باتت تُدار أيضًا عبر الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث تتحول المعلومة إلى سلاح، والشائعة إلى أداة قادرة على إحداث خسائر سياسية واقتصادية واجتماعية قد تتجاوز آثار العمليات العسكرية التقليدية.

ففي عالم يتبادل فيه مليارات الأشخاص الأخبار لحظة بلحظة، أصبحت سرعة انتشار المعلومات المضللة تفوق قدرة المؤسسات على التحقق منها أو نفيها، وهو ما جعل خبراء الأمن والاستراتيجيات يعتبرون "حروب المعلومات" أحد أبرز أركان حروب الجيلين الرابع والخامس، التي تستهدف تفكيك المجتمعات من الداخل وإضعاف الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة دون إطلاق رصاصة واحدة.

سلاح جديد بلا حدود
يعرف خبراء الأمن القومي حروب الجيل الجديد بأنها صراعات تعتمد على الأدوات غير العسكرية، مثل الحرب النفسية، والهجمات السيبرانية، والتلاعب بالرأي العام، ونشر المعلومات المضللة، بهدف تحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية أو عسكرية بأقل تكلفة ممكنة.

وفي هذا السياق، أصبحت الشائعة تمثل أحد أخطر هذه الأدوات، لأنها تستهدف العقول قبل الحدود، وتضرب الثقة قبل البنية التحتية، وتعمل على خلق حالة من الارتباك والانقسام المجتمعي، وهو ما يمنح الخصوم مكاسب استراتيجية دون الدخول في مواجهة مباشرة.

أرقام تكشف حجم الأزمة
بلغة الأرقام تشير بيانات صادرة عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) إلى أن أكثر من 5.8 مليار شخص يستخدمون الإنترنت حول العالم، بينما يتجاوز عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي 5 مليارات مستخدم، وهو ما يمنح أي معلومة خاطئة فرصة للوصول إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق، كما توصلت دراسة شهيرة أجراها باحثون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) إلى أن الأخبار الكاذبة تنتشر على منصة "إكس" (تويتر سابقًا) بسرعة أكبر بكثير من الأخبار الصحيحة، وأن احتمال إعادة نشرها يفوق الأخبار الدقيقة بنسبة تصل إلى 70%، كما تصل إلى المستخدمين بوتيرة أسرع وعلى نطاق أوسع.

الاقتصاد أول الضحايا
لم تعد آثار الشائعات تقتصر على الجانب السياسي، بل أصبحت تمتد مباشرة إلى الاقتصاد، فشائعة واحدة حول نقص سلعة غذائية قد تدفع آلاف المواطنين إلى الشراء المبالغ فيه، وهو ما يخلق أزمة حقيقية لم تكن موجودة من الأساس، كما أن تداول معلومات غير صحيحة عن أحد البنوك أو الشركات قد يؤدي إلى خسائر مالية ضخمة، وانخفاض قيمة الأسهم، وإرباك الأسواق، بل وربما التأثير على قرارات المستثمرين المحليين والأجانب.

الحرب النفسية… الهدف هو الإنسان

تعتمد حروب الشائعات على التأثير النفسي أكثر من اعتمادها على الإقناع المنطقي، فكلما كانت المعلومة مثيرة أو صادمة أو مرتبطة بمشاعر الخوف والغضب، زادت فرص انتشارها، حتى وإن كانت تفتقر إلى أي دليل.

ويؤكد متخصصون في علم النفس الإعلامي أن الإنسان يميل بطبيعته إلى مشاركة الأخبار التي تثير انفعالاته، وهو ما يجعل الشائعة تنتقل بصورة أسرع من المعلومات الدقيقة التي تحتاج إلى تحقق وتفسير.
كيف تواجه الدول هذه الحرب؟

أدركت العديد من الدول أن مواجهة الشائعات لا تعتمد فقط على النفي، بل تحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل:

سرعة إصدار المعلومات الرسمية.
تعزيز الشفافية وإتاحة البيانات.
إنشاء وحدات متخصصة للتحقق من المعلومات.
رفع الوعي الإعلامي والرقمي لدى المواطنين.
التعاون بين المؤسسات الحكومية ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية.
تطوير التشريعات الخاصة بمواجهة حملات التضليل مع الحفاظ على حرية التعبير.

كما اتجهت مؤسسات إعلامية عالمية إلى إنشاء وحدات مستقلة للتحقق من الأخبار، تعمل على مراجعة المحتوى المتداول قبل انتشاره على نطاق واسع.

شارك هذا المنشور